أخبار سوريا

بيوت الانتظار.. حين تصبح العودة اقتلاعاً آخر

بعد سنوات طويلة من النزوح والاعتياد على حياة المخيم، لم يعد سؤالي: متى أعود؟ بل: لماذا أترك المخيم؟ وإلى أين أعود؟

محمود يوسف سويد – راديو فرش

قبل سبع سنوات، اشتريت قطعة أرض مساحتها ثمانون متراً مربعاً مقابل 600 دولار، في تجمع القلعة، أحد تجمعات مخيمات النازحين قرب مدينة سرمدا شمالي إدلب، وبنيت عليها منزلاً من غرفتين. 

ترتب على شراء الأرض دين، كما أن الملكية لم تكن مثبتة في السجل العقاري. مع ذلك، صار لديّ للمرة الأولى في حياتي منزل، أنا القادم من كفرنبل، حيث لم أكن أملك أرضاً ولا بيتاً.. ولا شيء آخر تقريباً. 

بعد سقوط نظام الأسد، عاد الحديث عن تفكيك المخيمات وعودة سكانها إلى قراهم وبلداتهم، وأصبحت كلمة “العودة” حاضرة باستمرار في حديث السكان والمسؤولين وفي الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي.

لكن رغبتي في العودة إلى كفرنبل أخذت تخبو، في الوقت الذي ازداد فيه تعلقي بمنزلي في المخيم. زوجتي كانت تقارن “حبة تراب من كفرنبل بتجمع المخيمات كاملاً”، وكذلك كان موقف ابني وكثير من المحيطين بي، أما أنا، فلم يعد منزلي هذا بالنسبة إليّ مجرد سكن مؤقت فرضه النزوح. أصبح بيتاً، مثل بيوت كثيرة شيدها سكان المخيمات بأيديهم وعلى نفقتهم، أو حصلوا عليها بمساعدة منظمات إنسانية.

لم أملك تفسيراً واضحاً لهذا الشعور، وخلت أنني الوحيد بين سكان المخيمات الذي يدافع عن حقه في البقاء في منزل امتلكه، حتى وإن كان من دون أوراق. لكن أحداً لم يسألني، كما لم يسأل غيري، عن رأينا حين أصبح الحديث عن “العودة” يعني ترك المخيم.

وجدت نفسي أمام سؤال: هل أنا وحدي من يريد البقاء في المخيم؟ وهل تعني “العودة” بالنسبة إلى جميع سكان المخيمات الشيء نفسه؟

من هنا بدأت جولتي بين سكان مخيمات إدلب.

دائماً هناك بيت أول

على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشمال من دوار أبو رستم، في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي، يمتد تجمع أطلق عليه سكانه اسم “تجمع القلعة”، نسبة إلى بقايا حصن عسكري صغير يتوسط المكان.

لم يكن التجمع موجوداً قبل عام 2019. نشأ مع الحملة العسكرية التي شنتها قوات نظام الأسد وحلفاؤها على ريف إدلب الجنوبي، وكان أبو إبراهيم، النازح من بلدة معرزيتا، من أوائل الواصلين إليه.

يصف أبو إبراهيم المكان عند وصوله بأنه “أرض مقفرة، مساحات جرداء لا زرع فيها تستخدم لرعي الأغنام، يصلها بمدينة سرمدا طريق إسفلتي غابت معالمه”.

“نصبت خيمتي هنا مرغماً”، يقول أبو إبراهيم. لم يكن يملك خياراً أفضل، بل كان يبحث عن مكان أكثر أمناً لأسرته يقيهم أيضاً حر ذلك الصيف. بقي وحيداً لأيام قبل أن يلتحق به أقارب من قريته، ويشكلوا معاً نواة لتجمع أخذ يتسع مع وصول أسر أخرى.

خلال نحو عامين، تجاوز عدد الأسر في التجمع الألف، جاءت من مناطق مختلفة، وتوزعت على مخيمات حمل بعضها أسماء البلدات التي نزح منها سكانها، وأخرى أسماء مثل “قسطون، القرى، الخان، البدو…”.

ومع مرور السنوات، بدأت الخيام تتحول إلى مساكن أكثر ثباتاً. استعيض عن قسم كبير منها بغرف من القرميد والإسمنت، واشترى بعض السكان قطعاً من الأرض، فيما حصل آخرون على مساكن قدمتها منظمات إنسانية.

تختلف أوضاع ملكية المساكن والأراضي من مخيم إلى آخر. ففي تجمع القلعة، تتبع الأرض لعقارات المشاع، بحسب ما نقله أبو إبراهيم عن موظف في مديرية التنمية، فيما حصل بعض السكان على قطع عبر عرف “وضع اليد”، أي حجز مساحات غير مسجلة رسمياً للاستخدام الشخصي أو لتقديمها لأقاربهم أو بيعها لاحقاً. 

وفي مخيمات أخرى، اشترى السكان أراضي ذات ملكيات خاصة من أصحابها، وسجل بعضهم ملكيته في السجلات العقارية. لذلك لا تتشابه المخيمات في الوضع القانوني للمنازل المقامة داخلها، حتى وإن تحولت جميعها، بالنسبة إلى سكانها، إلى بيوت مستقرة وحياة يومية كاملة.

بمرور السنوات، لم تعد المخيمات مجرد خيام أو مساكن مؤقتة. تكونت فيها صداقات وعداوات، وتغيرت عادات، وولد أطفال في أزقتها. 

وكان ما حدث في تجمع القلعة جزءاً من مشهد أوسع في أرياف إدلب وحلب، حيث تحولت أراض جرداء وأخرى زراعية خلال سنوات النزوح إلى تجمعات سكنية، واستبدلت في كثير منها الخيام بالقرميد والإسمنت. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الأماكن بيوتاً وحكايات وذاكرة، بل ومسقط رأس لأطفال ولدوا فيها.

“متى نعود؟” و”إلى أين؟” سؤالان ما يزالان يؤرقان سكان المخيمات. عاد قسم كبير منهم إلى قراهم وبلداتهم، مدفوعين بالحنين أو بالحديث الحكومي عن خطة “صفر مخيمات”، من دون دعم واضح، فيما بقي قسم وازن داخل المخيمات متمسكاً بمنازل بناها بنفسه أو حصل عليها من منظمات إنسانية، وتحولت مع السنوات إلى حياة كاملة.

حين صار لنا بيت ورقم

في عام 2021، جالت فرق تابعة لمديرية التخطيط في وزارة التنمية ضمن حكومة الإنقاذ آنذاك، ورقمت بطلاء أزرق كل منزل، واضعة رقماً تسلسلياً بجانب بابه الرئيسي.

أُعلن وقتها أن الغاية هي حصر عدد المساكن في المخيمات وتقسيمها إلى قطاعات مميزة بأرقام خاصة، بما يساعد على تحسين التخطيط والخدمات.

كان ذلك هو الهدف المعلن، أما بين سكان المخيمات فتناقل البعض أن الترقيم يمثل انتقالاً من السكن المؤقت إلى مرحلة “التوطين”، وأن المخيم لم يعد حالة مؤقتة وإنما عنواناً دائماً.

طارق أبو محمد، مدرس لغة عربية يقيم في مخيم إخاء حماة ضمن تجمع القلعة، ظن للوهلة الأولى أن المخيم سيدخل المخطط التنظيمي. وحين عرف الحقيقة من أحد المشرفين، لم يفقد الرقم الأزرق المرسوم على منزله رمزيته. يقول: “شعرت بنوع من المساواة بسكان المدن، أصبح لمنزلي رقم مثل أي شقة منظمة، لديّ اليوم عنوان، وبإمكاني أن أدلّ الناس على منزلي”.

مثل غيري، حمل منزلي رقماً. إلا أن المخيمات لا تتشابه في ملكيتها، إذ لم تبنِ منظمات إنسانية كل المخيمات. قسم كبير منها بُني بأيدي أصحابه ومن أموالهم، وبعضها فوق أراض ذات ملكيات خاصة دفع السكان ثمنها لأصحابها وسجلوها في السجلات العقارية. تلك لم تعد بالنسبة إليهم مجرد مخيمات، بل أصبحت منازلهم الخاصة.

عودة ممكنة.. هل تمّت؟

لدى قسم من النازحين تصبح كلمة “العودة” أكثر تعقيداً.. فبعض سكان المخيم لا يغادرون اليوم خيمة ممزقّة ليعودوا إلى منزلهم الأول، بل هم يتركون بيتاً بنوه خلال سنوات النزوح، بينما منزلهم الأول مدمّر أو غير صالح للسكن.

أمام دكان “ابن الغاب” في مخيمنا، انقسم الواقفون حول مسألة العودة. بعضهم يؤيدها لكنه يسأل عن الخدمات التي ستقدمها الدولة للعائدين، خاصة أن معظمهم من مدن وبلدات مدمرة. آخرون يفضلون الانتظار إلى حين عودة المدارس والكهرباء والخدمات، فيما لا يريد قسم ثالث الرحيل أصلاً، بعدما أصبح المخيم مكاناً ألفه وبنى فيه عمله وحياته. 

خلال جولتي، ظهرت هذه المواقف المختلفة أيضاً في شكل المخيمات نفسها.

على الطرف الشرقي من الطريق الواصل بين بلدتي عقربات وأطمة بريف إدلب الشمالي، مررت بمخيمات غادرها سكانها. فكوا شوادر الأسقف البلاستيكية وحملوا ما استطاعوا، عائدين إلى قراهم.

في مخيم أبناء “التريمسة” لم يبق أحد. بقيت فقط آثار لما عاشوه: جدران المدرسة المطلية باللون الأخضر، وقاعدة معدنية كانت تحمل عموداً ثبتت فوقه ألواح للطاقة الشمسية. وبالقرب منها ما يزال عمود خشبي منتصباً، في نهايته علبة بلاستيكية يمر عبرها كبل أسود يقدم خدمة الإنترنت لمخيم السلطان عبد الحميد المجاور، المخصص للنساء الأرامل، والذي ما يزال يضج بالحياة.

بين المخيمين يجلس محمد أبو طالب على كرسي أمام دكانه. يشير إلى منزله في مخيم المحبة القريب، ويتحدث عن ارتباطه بالمكان الذي عاش فيه لأكثر من 12 عاماً.

يقول إنه لا يشعر بالرغبة في العودة إلى قريته، رغم أنه زارها أربع مرات خلال الفترة الماضية. أصبح المخيم جزءاً من حياته وحياة أسرته اليومية. ويعرف أن كثيراً من السكان غادروا، لا من إحصائية رسمية، بل من زبائن محله.

هذه المخيمات جزء من 1148 مخيماً في محافظة إدلب وحدها، بقي منها اليوم 637 مخيماً، بحسب مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، بعد إفراغ عدد منها ودمج مخيمات أخرى تناقص عدد سكانها، لضمان تقديم الخدمات لهم بشكل أفضل.

الجدران المتهالكة والأسقف المفتوحة للشمس تدل على مخيمات فرغت من سكانها. وفي تجمع مخيمات الكرامة، توقف السوق الذي كان يعج بالمارة والسيارات.

يقدّر من تحدثت معهم عودة أكثر من ثلث السكان إلى قراهم، فيما يستعد قسم آخر للمغادرة حين تتاح له الفرصة والمكان. أما أنا وآخرون مثلي، فما زلنا نبحث عن أسباب للبقاء.

عماد هشوم، النازح من بلدة الدار الكبيرة بريف إدلب الجنوبي إلى مخيم قسطون، اشترى أرضاً مساحتها ثلاثمائة متر، وبنى فوقها منزلين له ولابنه المتزوج حديثاً. يقول إن هذا المكان بات جزءاً من حياته ولا يريد التخلي عنه.

ومثله أبو محمد، الذي اشترى منزلاً في مخيم قسطون بثمانية آلاف دولار، ويرفض العودة إلى بلدته العمقية في سهل الغاب. فقرار العودة، على حد قوله، ليس قراراً عاطفياً.

أما غيث، ابن السادسة عشرة، فلديه سبب عاطفي للبقاء في المخيم الذي كوّن فيه وعيه وصداقاته. يقول إنه “اشتاق للمخيم بعد زيارته لمنزل جده في اللطامنة”، ما دفعه إلى العودة إلى منزله في تجمع الكرامة.

تركت تجمع الكرامة خلفي واتجهت شرقاً، حيث تمتد المخيمات من طريق أطمة – باب الهوى إلى حدود محافظة حلب الغربية.

شوادر زرقاء قليلة تظهر كرقع بين المخيمات، فيما تنتشر أبنية ذات أسقف من البيتون المحلي، بعضها مؤلف من أكثر من طابق، كما في مخيمي حلب لبيه والسلام.

“معظم رفاقي في البلدة رحلوا عن الحياة، هنا أصبحت شجيرات التين والرمان في حاكورتي رفيقتي، وكوّنت صداقات جديدة في المكان”، يقول الحاج أبو عماد من بلدة الهبيط، وهو يجلس أمام المنزل الذي بناه قبل أكثر من 13 عاماً.

وليس بعيداً عنه، في مخيم “صابرون”، كان لربات المنازل حديث آخر عن الألفة، اجتماع الجارات، وجلسات المتة، ومساكب الورد والزرع التي صنعنها خلال سنوات إقامتهن، وصار من الصعب عليهن مغادرتها أو تركها. تقول أم علي إن المخيم الآن “مسقط رأسها”.

وأمام محل للفروج قرب باريشا، في تجمع يضم ستة مخيمات كان عدد سكانه يتجاوز ألف أسرة، دار خلاف حول العودة بين شبان من قرية كفرنبل.

يرى حسين السلوم في المخيم سجناً لا يملك تكلفة مغادرته، بينما يعتبره فادي العكل وصديقه مكاناً منحهما الأمن والاستقرار. يشعر فادي بأنه يعود إلى بيته كلما تجاوز “رأس الحصن” عائداً إلى المخيم، في الوقت الذي يضيق فيه صدر السلوم كلما ذُكر المخيم أمامه.

نخاف أن يطمس المخيم هويتنا

يقاوم سكان المخيمات، منذ بداية تشكلها، أن تحل محل “مسقط الرأس”، خاصة بالنسبة إلى الأطفال الذين كبروا فيها وتعاظم شعورهم بالانتماء إليها. ولذلك سموا كثيراً من المخيمات بأسماء قراهم وبلداتهم، كما حملت محالهم ودكاكينهم وحكاياتهم اليومية أسماء وذكريات من الأماكن التي نزحوا منها.

رغم ذلك، بات من الصعب الانفصال عن نمط الحياة في المخيم الذي اعتادوه، ورافق بعضهم كحنين حتى بعد عودتهم إلى مدنهم وبلداتهم.

تحاكي هذه التجربة، مع اختلاف السياقات، ما عاشه الفلسطينيون في البلدان العربية، ومن بينهم الفلسطينيون الذين عاشوا في مخيمات سوريا، والتي لم تعد خياماً كما بدأت قبل أكثر من ثمانية عقود، بل تحولت إلى أحياء كاملة.

الحاج قاسم محمد العليان، 86 عاماً، المنحدر من مدينة بيسان الفلسطينية، قدم إلى مخيم اليرموك بعد نكسة حزيران 1967. وبمرور الوقت نشأت لديه ألفة وانسجام مع المكان الجديد، لكنه ينفي أن يكون المخيم قد تحول إلى بديل عن الوطن الأم. يصفه بأنه “وطن الانتظار حتى تحقيق حلم العودة الكبرى إلى مسقط رأسنا”.

حين عاد العليان إلى مخيم اليرموك مطلع العام الماضي بعد نزوحه عنه، لم يتعرف إلى حارته وسط الركام، إلى أن دله ابنه على قطعة جدار ما تزال واقفة من المنزل. كانت فرحته كبيرة، وتساءل: “إذا كانت العودة إلى الوطن البديل بهذا القدر من الفرح، فكيف ستكون العودة إلى فلسطين؟”.

أما ابنته خلود، فترى في اليرموك مسقط رأس حقيقياً. ولدت فيه ولعبت في أزقته، وهو بالنسبة إليها وطن ثانٍ لا ينتزع مكان فلسطين، بل إن التمسك به أحد أشكال الحفاظ على القضية.

تفسر الصحفية الفلسطينية السورية راما قضباشي هذا الانتماء بالاعتياد والنشأة وتراكم الذكريات والأشخاص. فقد يتحول المكان الجديد إلى مسقط رأس، من دون أن يلغي حقيقة الانتماء إلى الوطن الأم.

وبرأيها، تضيء التجربة الفلسطينية جانباً مما تقوله مخيمات إدلب، إذ “يمكن للإنسان أن ينتمي إلى أكثر من مكان في آن واحد، من دون أن يمحو أحدهما الآخر”.

خطة “صفر مخيمات” والعودة الطوعية

شغلت قضية المخيمات حيزاً واسعاً في المراسيم والقرارات والتصريحات الحكومية. وبحسب المرسوم رقم 59 الصادر في 8 آذار/مارس 2026، شُكلت لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة، تمهيداً لعودة النازحين واللاجئين ودعم المتضررين ضمن استراتيجية “سوريا بلا مخيمات”.

بعد ثلاثة أشهر، تحدث محافظا إدلب وحلب عن خطة عمل حملت اسم “صفر مخيمات”، تمتد لعامين وتشمل إزالة الأنقاض، وتمشيط المناطق وتفكيك الألغام، وتأهيل البنية التحتية الأساسية مثل المياه والكهرباء والمدارس.

تباينت الاستجابة للخطة. رأى فريق أنها لا تتجاوز “تصريحات إعلامية”، بسبب غياب خطة زمنية واضحة أو بيانات رقمية يمكن قياس التنفيذ بناء عليها، ولأن “كل خطوة لا تتضمن إعادة إعمار ما تهدم من منازلهم وتكتفي بتوفير خدمات بلداتهم لن تؤدي لعودة حقيقية لهم”.

في المقابل، يرى آخرون في حملات العودة الطوعية التي تتم برعاية مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل دليلاً على جدية الحكومة.

وبين الفريقين، يبرز صوت ثالث يسأل: “من قال إننا ضقنا ذرعاً بالمخيم؟ وهل استمعوا لرأينا قبل تقرير مصيرنا؟”.

ويخشى هؤلاء أن يُدفعوا إلى الخروج من المخيم مع سحب المدارس والمراكز الصحية، وغياب دور المنظمات، وتردي الواقع الخدمي، وعلى رأسه مسألة القمامة. وبرأيهم، فإن عودة تجري في ظل هذه الظروف “ليست طوعية بالمعنى الحقيقي”.

عبد الفتاح حسين عبيد، مدير مخيم قسطون سابقاً وعضو مجلس الشعب الحالي، ما يزال يسكن مع عائلته في المخيم. يقول إنه يتفهم ارتباط بعض السكان بمخيماتهم، ويرى أن خطة “صفر مخيم” صعبة التطبيق بالكامل في ظل الظروف الحالية التي تمر بها الدولة السورية.

ويرى عبيد أن الخطة لا تشمل أماكن مثل تجمع القلعة والمخيمات التي تتوفر فيها أبنية مجهزة وأسقف بيتونية ومستوى جيد من الخدمات، وأن المقصود أساساً هو التجمعات العشوائية والخيام.

كما يؤكد حق أبناء المخيمات في الحصول على امتيازات تساعدهم على عودة كريمة، وعلى وجود خطط حقيقية لإعادة إعمار منازلهم.

عبد الحليم العبيد، الموجه الأول لمادة الكيمياء في وزارة التربية في دمشق، والذي يعود إلى منزله في المخيم في كل إجازة، يرى أنه “ليس من الإنصاف أن نطالب سكان المخيم بترك منازلهم والعودة إلى خيمة فوق ركام بلداتهم”.

ويضيف: “تأمين البنية التحتية في مناطق العودة لا يكفي. يجب منح العائدين حوافز ومساعدات تعينهم على بناء منازلهم من جديد، خاصة مع ارتفاع تكاليف البناء إلى ضعف ما كانت عليه”.

أما أحلام الرشيد، مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، فتقول إن المخيم لم يكن يوماً مسقط رأس بالنسبة إليها، إلا أنه ترك بصمته عبر جسور الصداقة التي نمت بين السكان القادمين من مناطق مختلفة.

وتقول إن الانتماء الذي شعرت به كان إلى الناس في المخيم، وإلى تفاصيل حياتهم وجلسات القهوة معهم وأحاديثهم عن بلداتهم وقراهم، لا إلى المكان نفسه.

وتضيف: “المخيم مكان حفظ أرواح السوريين الهاربين من جحيم الحرب، له فضل لا ننكره علينا، لكنه لم يتحول إلى وطن ولن يكون كذلك”.

ومن موقعها الرسمي، ترى الرشيد أن الخطوات التي تقوم بها المديرية والحكومة لإعادة الخدمات والبنى التحتية إلى المناطق المهجرة سابقاً تمهد لعودة أبناء تلك القرى والبلدات إليها.

لكنها لا تنفي أن آلاف الأسر تحتاج إلى دعم حقيقي لتتمكن من العودة، إذ لا يملك كثيرون تكلفة ترميم منازلهم أو تأمين احتياجات أسرهم في بلداتهم.

وتؤكد أن عودة الناس لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بتوفير سكن آمن وخدمات أساسية وفرص عمل تحفظ كرامتهم وتعينهم على استعادة حياتهم. فالغاية من شعار “صفر مخيمات”، بحسب الرشيد، ليست أن يغادر الناس مخيماتهم، بل أن يعودوا إلى حياة كريمة يستحقونها.

إلى أين نعود؟

انتهت جولتي بين مخيمات إدلب. مررت بأماكن ما تزال الحياة تجري في أروقتها، وبأطلال مخيمات غادرها قاطنوها تاركين خلفهم آثاراً يصعب محوها.

عدت إلى منزلي في المخيم، وجلست في حديقتي الصغيرة تحت عريشة العنب، أحمل حكايات من أحب المخيم ومن عاش فيه على مضض.

تختلف المواقف، لكنها تلتقي عند حقيقة أن المخيم لم يكن خيمة وجداراً فحسب. كان مكاناً لصنع الحياة، نشأت فيه صداقات وعائلات وذكريات، وتحول بالنسبة إلى بعض السكان مع مرور السنوات إلى بيت. 

هذا حالي أيضاً. فبعد سنوات طويلة من النزوح والاعتياد على حياة المخيم، لم يعد سؤالي: متى أعود؟ بل: لماذا أترك بيتي؟ وإلى أين أعود؟

(أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى