أخبار سوريا

جرح الملكيات في الجزيرة السورية.. من يعيد الحقوق لأصحابها

عقود من الهندسة الديموغرافية وقوانين الاستملاك تركت ندوباً عميقة في خريطة الجزيرة السورية. بين مالك كردي سُلبت أرضه، وعائلة عربية هُجّرت إليها قسراً، يتقاطع مصير آلاف السوريين الذين دفعوا ثمن سياسات تمتد لأكثر من نصف قرن، بينما ما تزال حقوق الملكية والتعويض معلقة حتى اليوم.

سلافا يونس

يعود عبد الإله بذاكرته إلى منزله في “خزنة الصغيرة”، واصفاً إياه بحنين: “كنا نعيش في سعة وأمان. بيت من اللبن المزدوج بأربع غرف، وديوان بطول 15 متراً لا يُغلق في وجه قاصد”.

يفتح دفتر جراحه موضحاً أن أراضيهم سُلبت فعلياً عام 1963؛ فرغم أن قانون “الإصلاح الزراعي” صدر إبان الوحدة السورية-المصرية عام 1958، إلا أنه نُفذ بنسخته الأكثر صرامة لاحقاً، حين تولت “لجان خاصة” تابعة لحزب البعث تخفيض سقف الملكيات ومصادرة الأراضي الفائضة لتحويلها إلى “مزارع دولة”.

يتذكر الخسارة بلغة الأرقام: “كان لدينا 7000 دونم، فهبطت الملكية إلى استحقاق لا يتجاوز 1600 دونم فقط، بينما مُنح أعمامي في خزنة الكبيرة مساحات ضئيلة تحت مسمى (التضرر)”. ويعلق بحسرة: “سلبونا شقاء العمر بجرة قلم، ولم نملك سوى الصمت المفروض بقوة الحديد والنار”.

لم يكتفِ القانون بسلب الأرض، بل تعمد زراعة الخوف. ففي أسفل صفحات “دفتر الإصلاح الزراعي” المُسلّم للملّاك، كُتبت ملاحظة شكلت كابوساً مستمراً. يوضحها عبد الإله: “كانوا يهددوننا علناً بانتزاع هذا الاستحقاق أيضاً إذا ثبت أن الأراضي المتبقية لنا. جعلونا نعيش في رعب دائم وحرمونا حتى حق الاعتراض”.

وإلى جانب سلب الأرض، مزقت تلك السياسات النسيج الاجتماعي، إذ لعب مسؤولو الحزب على وتر الفتنة بين الفلاحين والملاكين.


يستذكر بأسى محاولات والده التنقل بين القريتين لتهدئة النفوس، قبل أن يضطر للرحيل نهائياً إلى القامشلي حقناً للدماء، هرباً من مظاهرات حشدت أبناء الفلاحين في شاحنات تهتف (إقطاعية.. إقطاعية). يصف عبد الإله صدمة الانتقال: “في أول يوم نزلنا فيه إلى القامشلي، شعرنا بالاختناق بين جدران ضيقة لا تشبه طين قريتنا الذي جبلناه بعرقنا”.

استمرت مقصلة القوانين الزراعية لاحقاً، فمن سقف ملكية بلغ 2000 دونم أيام جمال عبد الناصر، تقلص إلى 1200 دونم في عهد حافظ الأسد، وصولاً إلى 850 دونماً في الثمانينيات وفي عام 1974، اكتمل المخطط بجلب عوائل “الغمر” وتوطينهم في تلك الأراضي المصادرة لترسيخ واقع ديموغرافي جديد.

على الجانب الآخر من التغريبة، تبرز حكاية الحاج أبو شواخ (80 عاماً) كممثل لمأساة عوائل “الغمر” الذين وُطّنوا في أراضي المُلاك بمحافظة الحسكة. يستذكر الرجل تفاصيل التهجير من قريتهم “شمس الدين” بريف الرقة عام 1975 بوضوح: “كان يوم عرسي، والقرية تضج بالفرح، حين اقتحم المشهد وفد رفيع من القيادة القطرية يتقدمه عبد الله الأحمد وطه الخيرات”.

رفض الوفد دعوة الغداء، ونقل طلباً حاسماً من الرئيس حافظ الأسد بلقاء والده فوراً في دمشق. هناك، وُضع الوالد أمام خيار إجباري بالرحيل لغمر قريتهم بمياه سد الفرات، مقابل وعود رسمية بتعويضات كاملة وبديلة في الحسكة خلال ثلاثة أشهر. يعلق أبو شواخ: “تبين لاحقاً أنها وعود زائلة على ورق.. وحين بدأ الترحيل، كانت نساؤنا ينحن، وكنا نحن الرجال نبكي بقلوب مكسورة”.

نُقل الأهالي قسراً بشاحنات ووُزعوا على القرى المُستملكة سابقاً (مزارع الدولة)، تاركين خلفهم بيوتاً يصفها أبو شواخ بـ “قلاع من حجر”، وجنة زراعية تُروى بمحركات “بلاكبستون” وجرارات ضخمة. كما اضطروا لقطع بستانهم الممتد على 50 دونماً بأيديهم قبل أن تغمره المياه، وفشلت محاولات إعادة زراعة أخشابه لأن “تربة الغربة خذلتهم”.

وعند الوصول، اصطدم الوافدون ببيئة سكنية بدائية، إذ أُسكنوا في غرف طينية مسقوفة بألواح “الإتيرنيت”. يضيف أبو شواخ بمرارة: “تبين لاحقاً أن مادة الإتيرنيت سامة ومسرطنة، لقد كانت مصيبة جاثمة فوق رؤوسنا”.

لكن الخسارة الكبرى تجلت في حجم التعويض العقاري، فالعائلة التي سُلبت منها 30 ألف دونم في ريف الرقة، لم يُمنح والدها سوى 200 دونم في الحسكة. كانت اللجان قد فرزت الأراضي وفق جغرافيا المناطق: 300 دونم للشخص في المبروكة، 25 هكتاراً في رأس العين، 200 دونم في الدرباسية، 150 في تربسبية، و100 دونم في ديرك.

اليوم، قادت هذه التعويضات الضئيلة إلى نتيجة أبو شواخ بـ “الكارثية”. فقد تفتتت المساحة مع تعاقب الأجيال لتصبح حصة الفرد لا تتجاوز الدونم الواحد. يعلّق أبو شواخ على هذه النهاية متهكماً: “تذكرت مسلسلاً كوميدياً يقسم فيه صاحبه أرضه لمربعات صغيرة (50 سم بـ 50 سم)، وكلما جاء فرد من عائلته وضعه في مربع.. هذا بالضبط ما فعلوه بنا”.

هنا تتقاطع حكاية عبد الإله وأبو شواخ لتلخص واقعاً معقداً، حيث دفع المالك الأصلي والوافد المُهجر معاً فاتورة سياسات السلطة، كضحايا لمشروع هندسة ديموغرافية فُرض على حساب استقرار المنطقة.

هذه السياسة الممنهجة يفككها الباحث عبد الصمد داوود في كتابه التوثيقي المرجعي “الحزام العربي في الجزيرة-سوريا”، حيث يوضح أن القوانين الزراعية لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية لتوزيع الثروة، بل وُظفت سياسياً لتنفيذ مشروع هندسة ديموغرافية مقصود على الشريط الحدودي الشمالي لمحافظة الحسكة، بطول 275 كيلومتراً وعمق 10 إلى 15 كيلومتراً.

ويشير الكتاب إلى أن مصادرة أراضي الملاك الكرد والعرب الأصليين وتسميتها “مزارع الدولة”، كانت خطة مجهزة لبناء “مزارع نموذجية جماعية” لإعادة توطين الوافدين بهدف إحداث خلل في البنية السكانية وتحويل خطوط الملكية إلى بؤر نزاع طويل الأمد.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، لم يتغير واقع الملكيات الزراعية. وبسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” وإعلان “الإدارة الذاتية”، برزت إجراءات زادت من تعقيد الملف، أبرزها “قانون إدارة وحماية أملاك الغائبين” (رقم 7 لعام 2020)، الذي منح “لجنة حماية أملاك الغائب” صلاحية وضع اليد على عقارات المغادرين، في خطوة اعتبرها أصحاب الأراضي مصادرة جديدة لملكياتهم.

وبدلاً من حسم النزاع حول أراضي “الإصلاح الزراعي”، لجأت هيئات الإدارة الذاتية إلى تأجيرها بموجب عقود استثمار مؤقتة، مما أبقى حقوق الملكية معلقة وخاضعة لإجراءات أمر واقع.

لاحقاً، وبعد سقوط الأسد، تشكل واقع جديد طوى صفحة “الإدارة الذاتية” إثر دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن مؤسسات الدولة مقابل ضمانات الحقوق الثقافية واللغوية. هذا التحول أعاد الملف الشائك إلى عهدة دمشق ليضعه أمام اختبار جديد تحت مظلة قانونية موحدة.

ورغم أن قرارات تجنيس الكرد (مكتومي القيد) شَكَّلت خطوة لمعالجة إحدى المظالم التاريخية، إلا أن مسار استعادة الأراضي لا يزال شائكاً. وأمام هذا الواقع، تحاول المساعي الحقوقية إيجاد موطئ قدم لفك تشابكات الملف. 

يوضح المحامي معاذ يوسف أن المذكرة الرسمية المُقدمة مؤخراً إلى وزارة العدل تهدف لتأسيس إطار قضائي يلغي القوانين الاستثنائية وينصف من استولت الدولة على أراضيهم منذ عام 1958 عبر إعادتها أو تقديم تعويض عادل. لكن هذه المطالب “لا تزال تقبع في خانة الورق بانتظار إرادة سياسية فعلية”.

بين فرن الفطائر في القامشلي ومضافة ريف عامودا، لا تزال حكاية “عبد الإله” و”أبو شواخ” تراوح مكانها، لتختصر مأساة أجيال تتوارث الانتظار دون أفق واضح.

في مضافته، لا يملك أبو شواخ سوى التمسك بالمطالبة بتعويض من سُلبت أرضه، متشبثاً بالقول إن “ما ضاع حق وراءه مطالب”. وعلى الجانب الآخر، يقلّب عبد الإله فطائره على نار آمال شحيحة، مترقباً أي قرار محتمل قد ينصفهم يوماً ما، ليختم حديثه قائلاً: “جرح الأرض لا يندمل بمرور السنوات، لكننا سنظل ننتظر العدالة حتى آخر نفس”.

هكذا، يظل ملف  أراضي الغمر وأراضي مزارع الدولة معلقاً بين أروقة المحاكم وطاولات التفاهمات السياسية، لتبقى العدالة الانتقالية حتى اللحظة مجرد وعودٍ مؤجلة لا يُعرف متى، أو إن كانت ستتحقق فعلاً.


(أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة).

شبكة آسو الإخبارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى