
التكسي الصفراء في سوريا: خدمة منهكة في مدن منهكة
محمود يوسف السويد- راديو فرش
شتاء حلب قاسٍ على ساكنيها.
شوارعها المتهالكة المليئة بالحفر والأنقاض ومياه الأمطار والوحل تجعل التنقل اليومي مهمة شاقة.
ومع تغيّر خطوط وسائل النقل العامة بعد سقوط نظام الأسد، وعودة سكان إلى مدن لم تعد طرقها عالقة في الذاكرة، تعود سيارة الأجرة “التكسي” لتكون خياراً اضطرارياً لكثيرين.
اللون الأصفر الذي ارتبط بـ “التكسي” يفرض حضوره وسط أرتال السيارات المزدحمة، في مفارق الشوارع تصطف عشرات منها، معظمها من نوع “سابا”، التكسي الأكثر شهرة في المدن السورية، إلى جانب عدد قليل من سيارات “لانسر” القديمة وأنواع أخرى من “ماتيز” و”تيكو” و”كيا ريو”.
صفرة باهتة على هيكلٍ مغبّر، تآكل لونه في أماكن كثيرة وتحول إلى صدأ، أضواء مكسّرة، آثار حوادث، أبوابٌ بأقفال وأخرى بلا أقفال، وزجاج غير محكم الإغلاق يحتاج كلتا يديك لرفعه.
سائقون يجلسون داخل سياراتهم بألبسة مختلفة، بعضهم يحتسي قهوة باردة، وآخرون ينفثون دخان سجائرهم في هواء الشتاء.
هذا أول ما تراه عند الوصول إلى مواقف غير رسمية اختارها السائقون بخبرتهم في المكان، ما إن تدخل سيارة الأجرة حتى تستقبلك رائحة البنزين وصوت باب يئنّ تحت ثقل الزمن.
تعتذر للسائق عن قسوة الإغلاق، فيجيبك بهدوء: “لا عليك، لا يؤلم الضرب الموتى”.
داخل السابا، مقاعد قديمة بجلد متشقق، يخرج الإسفنج من زواياها. تتكور في مكانك خوفاً من اتساخ ملابسك وتجنباً لألم سيتركه أي اهتزاز فوق المقعد الحديدي.
تبحث عبثاً عن حزام الأمان أو تحاول سحبه من غمده الذي لم يُفتح منذ سنوات، يلتفت السائق إليك قائلاً: “ما في داعي”.
الطقس داخل سيارة الأجرة لا يختلف عن خارجه. هواء بارد يتسلل من فتحات أحدثها الزمن والاهتراء في حواف النوافذ والأبواب، تختلط به رائحة المحرك و”الكوليات”.
في لوحة القيادة مكان فارغ لمسجل مفقود، وعلى الأرضيات ذرات سجائر ورمادها، فيما يهتز جسدك مع كل حفرة أو مطب، وما أكثرهما في الطرقات.
مشهد يصف حال سيارة الأجرة المتهالكة، ويشبه حال مدن أنهكتها الحرب على مدى عقد ونصف، ويعيد طرح السؤال عن مصير مئات آلاف سيارات التكسي في سوريا، المقدّر عددها بأكثر من 159 ألف سيارة، وما إذا كانت ما تزال تقدم خدمة نقل بالمعنى الحقيقي للكلمة.
السابا هدية إلى شعب كان صديقاًحضرت السابا، وهي ماركة سيارات إيرانية المنشأ، في الشوارع السورية منذ بداية الألفية الجديدة، وسرعان ما ارتبطت في الذاكرة الجماعية بسيارات الأجرة، حتى بات من النادر رؤية “سابا” خاصة أو بلون غير الأصفر.
ومع انتشارها في سوريا، وضع حجر الأساس لمصنع تجميع لسيارات السابا في المدينة الصناعية حسيا جنوبي حمص نهاية عام 2003، وفتح أبوابه في عام 2007 تحت اسم “سيفيكو” وقسّمت أسهمه بين شركة سابا بنسبة 80% و حكومة نظام الأسد بنسبة 20%، على حائط المصنع تصدّرت لافتة “سابا هدية إلى بلد صديق”.
مع اندلاع الثورة السورية توقّف العمل في المصنع الذي كان ينتج يومياً بين 50 إلى 60 سيارة، ليعاد تشغيله في عام 2016 بإنتاج لا يتجاوز ثلاث سيارات يومياً، حتى قصفه في تشرين الأول 2024 بغارة إسرائيلية وإغلاقه نهائياً منتصف تشرين الثاني من العام ذاته.
خلال تلك الأعوام، طردت سيارة الأجرة من نوع سابا ما كان متاحاً من سيارات أخرى تعمل كـ “تكسي”، وأبرزها سيارة اللانسر التي يزيد عمرها عن ثلاثة عقود، وذلك لما كانت توفّره في استهلاك الوقود، إضافة لقطع التبديل الرخيصة.
لم تكن السابا هديّة، كما يروّج، إذ وصل سعر السيارة الواحدة منها إلى نحو 12 ألف دولار، وكانت القطع تأتي من الشركة الأم في إيران عبر طرق برية من إيران عبر العراق إلى سوريا، قبل أن تغلق هذه الطرق، وتتخذ الشركة الطريق البحري قاطعة مئات آلاف الأميال للوصول إلى ميناء اللاذقية.
ومع تراجع الاقتصاد السوري وضعف الرواتب السورية باتت محدودية الطلب عاملاً في توقف العمل أو تناقصه تدريجياً قبل إغلاقه.
لم يبق منها سوى الاسمليست كل سيارات السابا التي تجوب شوارع سوريا اليوم قديمة ومتهالكة، هناك نماذج يعود تاريخ إنتاجها لأعوام 2014 و2017 وتعرف بالسابا “المحدثة”، أنتجت في معمل تجميع الشركة سيفكو حتى تاريخ إغلاقه، لكن أغلبها يزيد عمره عن عقدين من الزمن.
ورغم ملاءمتها لاستهلاك الوقود، يؤكد سالم أبو صطيف، سائق ومالك تكسي سابا موديل 2007، أن محركها قصير العمر ولا يتحمل مشقة العمل المتواصل، إذ يقدّر عمرها الافتراضي بنحو خمس سنوات قبل أن تبدأ بزيارة ورش التصليح أسبوعياً على الأقل. تبدأ المشكلات من “تآكل الدوزان” ما يزيد من اهتزاز السيارة و استهلاك محركها للبنزين وزيت التبريد، وصولاً إلى أعطال تطال “الكاربارتور و البستونات” وغيرها من الأعطال، عند هذه النقطة يقف مالك السيارة بين خيارين، صيانة خاسرة ما يجعلها عبئاً على مالكها، أو ترك السيارة بدون تصليح ما يفاقم مشكلاتها، يكمل أبو صطيف.
أبو بلال، صاحب ورشة في حي الراموسة بحلب، يُعرف بلقب “دكتور السابا” بحلب، وهي من الورش القليلة التي ما تزال تستقبل سيارات السابا، يقول “إن المحرك الأصلي الذي خرج من الشركة لم يتبق منه سوى الاسم”.
أسبوعياً يستقبل أبو بلال في ورشته أكثر من عشر سيارات سابا بأعطال مختلفة، أغلبها خضع لإصلاحات أكثر من مرة، حتى لم يعد هناك ما يمكن إصلاحه، وهو ما يرى فيه أصحاب الورش حجة للاعتذار عن تصليحها لما تستنزفه من وقت وجهد لا يتناسب مع الأجر.
يقول محمد جلول صاحب ورشة في حي الميدان بحلب: “فك البراغي لمحرك سابا قديمة فيه مجازفة أحياناً، فقد ينكسر هو أو مكان تثبيته في الشاسية الذي اهترأ بفعل عوامل الطقس والزمن”.
جهاز التوازن المعروف (بالدوزان) يأتي في مقدمة الأجزاء الأكثر قابلية للعطب في سيارات السابا، هذا ما أخبرنا به أحمد دشو صاحب ورشة دوزان للسيارات في حي بستان الباشا بحلب، ويرجع دشو ذلك لكون السابا لم تصمم في الأصل للعمل لفترات متواصلة وطويلة، وهي غالباً سيارة عائلية صغيرة، ولهذا فسيرها لمسافات طويلة مع أحمال تفوق ما صنعت لأجله يتسبب في عطب الدوزان.
يؤيد أبو صطيف ما قاله أصحاب ورش الإصلاح والدوزان عن واقع السابا اليوم، ففي مدينة دمشق حيث يسكن ويعمل هناك، أربع ورش إصلاح فقط في المدينة وريفها ما تزال تستقبل السابا حتى اليوم.
يتغاضى أبو صطيف، وأصحاب سيارات أجرة آخرون عن كثير من الأعطال إلى أن تقف السيارة، عندها سيكونون مضطرين لتصليحها.
ليس ذلك بدافع الإهمال ولكن بسبب ارتفاع أجور الصيانة مقابل الدخل.
لا يتجاوز سعر سيارة سابا أجرة وسطياً ثلاثة آلاف دولار، بعضها معروض للبيع بنحو ألف وخمسمائة دولار على وسائل التواصل، في الوقت الذي يبلغ ثمن إصلاح المحرك نحو أربعمائة دولار.
سائقون بلا زي رسميلا تقتصر آثار الزمن، خاصة في الحرب السورية التي استمرت لعقد ونصف العقد من الزمن، على سيارات الأجرة، بل طالت سائقيها أيضاً، إذ تغيب اليوم صورة السائق بالزي الذي اعتمدته إدارة المرور، البنطال الكحلي أو الأسود والقميص الأزرق السماوي.
سائقو التكسي اليوم يرتدون ألبسة مختلفة اللون والشكل، بنطال جينز أو قماش، بيجاما رياضية، لباس تقليدي (جلابية)، قمصان أو كنزات بألوان مختلفة، قبعة من الصوف أو شماخ، منهم من يرتدي حذاء رسمياً أو رياضياً أو صندلاً أو “شحاطة بلاستيكية”.
يرجع محمد العلي 75 عاماً، وهو سائق تكسي منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً، هذا التنوع في اللباس لعدة أسباب أهمها تراجع الرقابة المرورية وعدم تدقيق الضابطة الشرطية على زي السائق، إضافة لدخول أشخاص إلى المهنة لا يعرفون القوانين، وربما لا يمتلكون شهادة سياقة، بما أفرزته الحرب من حالة فوضى. يقول العلي إن صورة سائق التاكسي القديمة والذي كان يعتبر مصدر أمان وطمأنينة تلاشت، هذا ما كان يمنح التاكسي ميزة على وسائط النقل الأخرى، فقسم كبير من زبائنها كانوا من النساء أو الباحثين عن وصول سريع ورحلة مريحة، وهو ما يفتقدونه اليوم،”لم تعد المهنة كما كانت في السابق” يضيف أبو علي، برأيه “تغيرت مفاصل المهنة كما حال كل الأشياء التي تغيرت من حولنا”.
مفردات جديدة لسائقي التكسيالشكوى من الغلاء والمشكلات الاقتصادية وعبارة “ما عم توفي معنا الله وكيلك”، تحضر في كل رحلة مع سائق تكسي في مختلف المدن، يقول العلي ممتعضاً إنها “صارت لازمة تشبه التسّول”، وهو ما أفقد حالة الود التي كانت تنشأ بين الزبون والسائق، فالزبون “متحفّز يخاف أن تسرقه”، والسائق يحاول جاهداً تحصيل أكبر قدر من الاستعطاف طمعاً في “زيادة الأجرة” التي لم تعد تسدّ الرمق.
تقول داليا عبد الكريم، وهي صحفية من مدينة اللاذقية، إن مفردات “ما عم لحق، وراي كوم لحم، الفقر، التعتير، دفعت اليوم تصليح مبلغاً كبيراً”، هي الأكثر حضوراً خلال تنقلها بسيارة الأجرة.
ترجع داليا سبب اختيار طريقة الحديث هذه، إلى “طمع السائق في زيادة الأجرة عند وصولي لوجهتي”، ما دفعها لابتكار ردّ جاهز “الحال من بعضه ولا تشكي لي ابكي لك”.
عندها يلوذ السائق بالصمت ويعلم عدم جدوى محاولاته.سامر الخطيب، سائق سيارة أجرة من مدينة دمشق، يقول إن الأمر لا يتعلق بالاستعطاف، هذه المفردات حديث الشارع اليومي، وهي لا تغيب عن أي اتصال بين صديقين أو الزوج وزوجته في المنزل، وتراها في محلّات الألبسة وعند بائعي الخضار وفي كل مكان. الحرب والهشاشة الاقتصادية هي من أفرزت مفردات جديدة، يطلب سامر منا جميعاً أن “نراجع تسجيلاتنا الصوتية في هواتفنا، أليست المفردات نفسها حاضرة”
. تكسي بلا زبائن انتشار تطبيقات التكسي في مختلف المحافظات السورية، والتي تقدّم خدمة التوصيل من المنزل إلى الوجهة التي يختارها بمتابعة من الشركة، وبأجرة محددة، كذلك بسيارات خاصة وحديثة، دفع كثر من الزبائن إلى الاعتماد عليها عوضاً عن التكسي الصفراء، خاصة للنساء والعائلات، لما توفّره من أمان ورفاهية.
يقول عمر زين الدين، مدرس في مدينة حلب، إنه وعائلته يعتمدون على التطبيقات الالكترونية، وإنه منذ عامين لم يركب بسيارة أجرة صفراء. يتحدث عمر عن التكسي بصفتها “خدمة ورفاهية”، وكيف أنها فقدت مع السيارات الصفراء، خاصة بالخدمات المقدمة من تكييف في الصيف ونظافة الفرش والأهم من ذلك السعر المحدد الذي يقلّ عن ما يطلبه سائقو سيارات الأجرة.
تشعر نوال بالأمان، بوجود مثل هذه التطبيقات، هي لا تضطر، على حدّ قولها، للمفاصلة، كذلك للاستماع إلى أحاديث مختلفة، والأهم من ذلك هي ترى عبر شاشة الهاتف طريقها.
لا يخف محمد قطان المدير العام لمديرية النقل إعجابه بالخدمات التي تقدمها تطبيقات خدمة التاكسي عبر الإنترنت حديثة العهد، مثل تطبيق (يلا غو) أو (وديني) وغيرها، وهي تطبيقات تديرها شركات خاصة منحتها المديرية تراخيص عمل ضمن الجمهورية السورية، ليصل عددها بحسب قطان لـ 22 شركة وتطبيقاً.
توفر هذه التطبيقات، بحسب القطان، مزايا عدة لا تتوافر في خدمة التاكسي بصورتها المعروفة سابقاً، لجهة الراحة التي يشعر بها الراكب، لما تمتلكه شركاتها من سيارات حديثة و مجهزة بتقنيات رفاهية وأمان متطورة، كذلك ما تتميز به من سهولة الحجز عبر جهاز الموبايل الخاص، مع تحديد مسبق لأجرة المشوار، يضاف إليها حيز جيد من إحساس المستخدم لها بالأمان، كون الشركة تملك كوادر تعمل على مراقبة سير السيارة خلال عملية نقل الراكب حتى وصوله إلى وجهته، وأنها تستقبل أي شكوى ترد بحق أي من السائقين لديها.
يرى القطان في عمل هذه التطبيقات حلّاً لمشكلة سيارات التاكسي القديمة، إذ تسعى المديرية لربط تلك التكاسي بتطبيقات مشابهة، يقول “ربط تلك التكاسي القديمة العاملة بتطبيقات إلكترونية سيسهل على الركاب عملية التنقل ويحقق سرعة الاستجابة والالتزام بالمسار والاجرة”.
تطبيقات التاكسي الإلكترونية وافد حديث إلى سوريا زاد من مشكلات سائقي التكسي الصفراء، ما دفعهم لتنظيم وقفات احتجاجية طالبوا فيها بالحدّ من انتشارها، لما تركته من أثر سلبي على عمل مئات آلاف السائقين.
نحن نخسر المنافسة، هم يعملون بسياراتهم الخاصة ويطلبون من منازلهم، لا يضطرون للوقوف في الطرقات ولا ينتظرون الزبائن مثلنا، سياراتهم حديثة ولديهم في الغالب مهن أخرى، وعملهم في هذه التطبيقات هو عمل إضافي، يقول العلي. إضافة للتكسي الإلكترونية، كما يطلق عليها سائقون، دخلت إلى مهنة التكسي سيارات أخرى غير مسجّلة، كل ما تحتاجه شراء فانوس إنارة مكتوب عليه عبارة “أجرة أو تكسي باللغة الإنجليزية” لتبدأ العمل، يصف أبو صطيف عمل هذه السيارات بـ “غير القانوني”، ويقول ” يزيل سائقو التكسي الخاصة الفانوس عن سطح سياراتهم بعد صعود الركاب، خصوصاً حينما يتوجهون لداخل المدن الرئيسة كدمشق لأنهم يعلمون بأنهم سيتعرضون لمخالفة مرورية في حال رؤية شرطي مرور للفانوس”.
الخوف سبب آخر لعزوف الزبائن عن استقلال سيارات التكسي، لما ارتبطت بها من حوادث اعتقال واختفاء، خلال سنوات الحرب السورية، إذ ما تزال هناك صورة نمطية تفيد بأن سائق التكسي قد يكون عنصراً في أحد الأفرع الأمنية أو ميليشيات الشبيحة.
وبعد سقوط حكومة الأسد، وما شهدته مدن سورية من حالات خطف، تجعل من غير المريح الركوب في تكسي، خاصة عند النساء اللواتي بتن تفضّلن استقلال وسائل النقل العامة، تقول زينب من مدينة اللاذقية.
مساحة الخوف طالت السائق كما مست الزبون أيضاً، فكثير من سائقي التاكسي اليوم يخشون مغادرة حدود المدينة التي يعملون ضمنها، بخاصة إن كان الوقت متأخراً، هذا ما حدث مع أبو صطيف حين دخل مخيم اليرموك ليوصل أم وابنتها لمنزلهما في آخر الحي، وكيف تسلل الخوف إليه، كذلك ما تعرّض له حسام أبو علي، سائق تكسي، من سلب لهاتفه وما يملكه من نقود بعد توصيلة في حلب، والحوادث كثيرة حول ذلك.
مفاصلة وتعرفة غائبة لم تكن حالة الخوف وحدها من أسهمت في عزوف كثيرين عن استخدام التاكسي في تنقلاتهم، فغياب التعرفة الموحدة والعدادات الإلكترونية التي كانت موجودة لهذا الغرض، أو إطفائها من قبل السائق نفسه، لعدم جدوى وجودها اليوم، شكل حالة من عدم الرضى لدى ركاب التاكسي، حيث تحول تحديد أجرة المشوار لعملية مساومة بين الطرفين غالباً ما تنتهي بـ مشاحنة أو مشادات كلامية.
يدخل الزبائن وسائقو التكسي في “مفاصلة” يومية لتحديد أجرة المشوار، ويرى من تحدثنا معهم، وما خبرناه بأنفسنا خلال عملية “المفاصلة” مع سائقي تكسي لغرض كتابة التقرير أن “الأجرة غالباً ما تكون مرتفعة ولا تتناسب مع طول المسافة”، كذلك يلاحظ الفارق بين سيارة وأخرى وبمبلغ يتجاوز النصف أحياناً.
في المقابل يبرر السائقون هذا الاختلاف بغياب تعرفة موحدة تصدرها إدارة النقل يراعى فيها حال السائق وارتفاع ثمن الوقود الذي يصل لتر البنزين منه إلى نحو دولار، إضافة للازدحام وقلة الزبائن وتهالك الطرقات وأجرة التصليح.
وحول ضبط التعرفة لسيارات الأجرة يقول قطان: “سيتم تحديد تسعيرة للكيلومتر الواحد وضبطه إما بعدادات إلكترونية أو بوساطة تطبيقات الدفع الإلكتروني منعاً للاستغلال كما هو متبع في تطبيقات التكسي اليوم”تتراوح غلّة السائقين الذين تحدّثنا معهم بين 15 إلى 20 دولاراً، يفندها العلي وأبو صطيف، بأن أكثر من نصفها يذهب كثمن للوقود، وربعها للتصليحات، ولا يتجاوز متوسط دخل سائق التكسي 150 دولاراً لا تسد أجرة المنزل الذي يسكنونه. يعيدنا العلي بالذاكرة إلى بداية الألفية الثانية، ويصف ذلك الوقت بـ “أيام عز التكسي”، والتي كانت تكفي أسرتين بكامل احتياجهما، إذ يقدّر متوسط ما كانوا يحصلون عليه بنحو 600 دولاراً.
يقدّر محمد قطان مدير مديرية النقل عدد سيارات الأجرة العاملة اليوم ضمن المدن السورية بنحو 88 ألف سيارة منها 30 ألفا في دمشق وريفها وحدهما.
يصف القطان الخدمات التي تقدمها سيارات الأجرة اليوم بـ “الرديئة والسيئة، من حيث جودة السيارات والتعرفة الباهظة وغير المنضبطة التي يدفعها الراكب، كما أنها تعكس مظهراً غير لائق حضارياً لسوريا أمام زائريها”، مبيناً سعي الإدارة جدياً للتفكير باستبدالها بسيارات جديدة تعمل بالطاقة الكهربائية وتمنح لأصحاب سيارات الأجرة القديمة عبر أقساط، وهي عملية تنفذها شركات سيتم التعاقد معها، إذ تقوم الشركة باستلام السيارة القديمة والتصرف بها حسب طريقتها.
وأوضح أن البداية ستكون انطلاقاً من محافظة دمشق لما تتمتع به من أهمية كونها عاصمة البلاد. رغم قلّة ما تجنيه التكسي يتعلّق سائقوها بمهنتهم، قسم منهم لعدم وجود فرص عمل أخرى، آخرون لأنهم لا يمتلكون “مهنة أخرى”، أو مدفوعين بـ “الشغف”.
يرى العلي في سيارة السابا خاصته جزءاً من حياته، هي لا تختلف عن أحد أبنائه، أما أبو صطيف فلا يمكنه تخيل حياته “بدون الصفرا في إشارة لسيارته السابا”، وهو ما يدفعهما للتمسك بها “خاسرة كانت أم رابحة” على حدّ قولهما.
يترجل الراكب في حي السليمانية بحلب بعد أن دفع أجرة المشوار وإكرامية للعلي الذي تهلل وجهه بالدعاء، قبل أن يتابع سيره مختفياً وسط زحام سيارات أجرة أخرى تجوب شوارع المدينة، ببقايا صفرة عفا عنها الزمن، بحثاً عن راكب جديد.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”




