
مُخيمات الشّمال .. مَشقة مُضاعفة تدفعُ طلاباً إلى تركِ التعليم.
محمد السلطان
يستيقظ أحمد (11 عاماً) وأخواه مصطفى ومحمد قبل شروق الشمس، تجّهز والدتهم إفطارهم ليتناولوه على طريق المدرسة.
يقصد الأطفال الثلاثة مدرسة في مدينة الدانا، شمالي إدلب، بعد أنّ أُغلقت مدرستهم الصغيرة في مخيم الهجرة قرب دير حسان.
أحمد أكبر إخوته، وهو المسؤول عن حمايتهم في طريق المدرسة الذي يزيد على ثلاث كيلومترات. قد تبدو المسافة قصيرة، لكنّ الوالدة تبقى مشغولة البال حتى يعودوا.
تقول “يسلكون طرقاً غير معبّدة، ويعبرون منطقة مليئة بالكلاب الشاردة، وفي الدانا يدخلون بين السيارات والدراجات النارية المسرعة”.

“نصل المدرسة وثيابنا مبلّلة، والطين يغطي أحذيتنا”، يقول أحمد، “أعود إلى الخيمة بعد المدرسة مرهقاً، في كثير من الأحيان لا أكتب وظائفي، أمشي يومياً ست كيلومترات، وفي مرات كثيرة أحمل حقيبة أخي الأصغر، كي يتمكّن من مجاراتنا في المشي”.
يخشى ساريّا المحمد والد الأطفال الثلاثة النازح من بلدة كفرنبودة في ريف حماة أن يصيب أحدهم مكروه على طريق المدرسة، يقول “أنا بين نارين، بين أن أتركهم في الخيمة آمنين، وبين أن أرسلهم للمدرسة وأخاطر بحياتهم في كل يوم مدرسي”.
المخيمات تشهد موجة إغلاق مدارس بعد سقوط النظام أُغلقت أكثر من 78 مدرسة في بلدة قاح ومخيمات دير حسان منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول عام 2024.
كانت هذه المدارس إما خاصة أو مدعومة من منظمات غير حكومية.
ونتيجة لعودة أصحاب المدارس الخاصة إلى مدنهم وبلداتهم الأصلية، وتوقّف المنظمات عن التمويل اضطّر الأهالي للبحث عن مدارس جديدة وبعيدة في كثير من الأحيان تستقبل أبناءهم.
هدمت عدة مدارس، وحُوّل جزء منها إلى حظائر للحيوانات، وقليل منها استحلّتها عائلات كانت تقيم في خيام قماشية مع دخول فصل الشتاء.

لا يختلف الحال في معظم مخيمات الشمال السوري عن مخيمات قاح ودير حسان، فموجة الإغلاق شملت كثيراً من مدارس المخيمات بعد السقوط، وبدء عودة النازحين.
الرحلة إلى المدارس الجديدة شاقّةفي مخيم الهجرة، الذي يقيم فيه نحو ألف شخص، كانت مدرسة “حلمنا” تستقبل نحو 200 طفل من المرحلة الابتدائية، لكنها أُغلقت في تلك الموجة.
يسلك الأطفال الذين كانوا يتلقّون التعليم فيها اليوم طرقاً ترابية، تجعل من التنقّل صعباً، وخاصة عند نزول المطر، وفي الظروف الجوية السيئة.
في مخيمي الإيمان والكيماوي المتلاصقين، واللذان يقطنهما نازحون من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، أُغلقت مدرسة سعد بن معاذ التي كان يدرس فيها نحو 250 طالباً في الفوج الأول و200 في الفوج الثاني.
اضطر الطلاب للتوجّه نحو مدرسة الرحمة التي تبعد نحو خمسة كيلومترات. وأَجبر بُعد المسافة أكثرَ من 30 طالباً من الحلقة الأولى على التخلّف عن الدراسة.
من بين الطلاب الذي تخلّفوا عن الدراسة، محمود عليوي وأخوه معتصم، إضافة إلى محمد حمدان وأخيه حسن، وعبدالله وخالد العبدالله.
جميعهم اليوم بدون تعليم لأن ذويهم لم يستطيعوا تأمين وسيلة نقل، أو بسبب عدم تفرّغ أحد ذويهم لمرافقتهم على طريق المدرسة.
تعيش نجوى المحمد (10 سنوات) في خيمة مع عائلتها أمام منزلها المدمّر في مخيم الوضيحي بريف إدلب. بعد إغلاق مدرسة “الجيل الجديد” القريبة، اضطرت نجوى للالتحاق بمدرسة “نور الصباح” التي تبعد كيلومترين عن خيمتها.
تقول “في السابق كانت المدرسة تبعد عن خيمتنا نحو خمس دقائق، الآن أصبحت الرحلة تستغرق نحو نصف ساعة مشياً على الأقدام”.
وتضيف “كثير من زميلاتي تركن المدرسة بسبب بُعد المسافة، أو لعدم قدرة أهاليهنّ على تأمين المواصلات”.
الإغلاق أنتج ضغطاً على مدارس إدلبمديرية تربية إدلب في معرض إجابتها عن أسئلتنا أكدت أنّ إغلاق مدارس المخيمات أدى إلى ضغط كبير على المدارس التي ما تزال أبوابها مفتوحة، ووصلت نسبة الاكتظاظ في بعض الصفوف إلى ما بين 40 بالمئة و60، وترافق ذلك مع نقص في أعداد المعلمين والوسائل التعليمية، ما اضطّر مدارس للاعتماد على مدرسين بعقود مؤقتة أو وكلاء.
تقدّر مديرية التربية عدد الأطفال في سن الدراسة في الشمال السوري بحوالي 500 ألف طفل، لكن نحو 40 بالمئة منهم فقط يذهبون إلى المدارس.
ويشير إلى أن نسبة تسرب الفتيات أعلى من الذكور بنحو 20 بالمئة، بسبب صعوبات الطرق، والمخاوف الأمنية، والضغوط الاجتماعية.
ويرجع مدير التربية في محافظة إدلب، عمر لطوف، الضغط الحاصل على القطّاع التعليمي إلى عودة جزء من النازحين.
إذ استقبلت المدارس نحو 80 ألف طالب جديد في عموم محافظة إدلب.
وأوضح أنّ هذا الضغط اضطّر المديرية للإسراع في عمليات الترميم، ووصل عدد المدارس التي رممت أو أعيد افتتاحها إلى 250 مدرسة في مختلف المراحل، بينما ما تزال 223 مدرسة قيد الترميم وتحتاج إلى دعم مالي وفني.
يشير لطوف إلى وجود عجز يُقدَّر بنحو 11 ألف مقعد دراسي، موضحًا أن إجمالي عدد المدارس العاملة والمتوقَّع افتتاحها في مدينة إدلب وريفها يبلغ 1826 مدرسة.
كما يؤكد أن الدعم الدولي، ولا سيما من منظمات مثل اليونيسف، يُعد عنصرًا حاسمًا لاستمرار العملية التعليمية، سواء من خلال دعم الكوادر التعليمية، أو توفير المستلزمات، أو إعادة تأهيل المدارس المتضررة.
يُقدَّر عدد المدارس التي دُمّرت أو تضررت خلال سنوات الحرب بأكثر من 7000 مدرسة.
وقد فاقم زلزال شباط عام 2023 الأزمة في شمال غرب سوريا، إذ طال الضرر 54 بالمئة من المدارس، ما زاد العبء على نظام تعليمي منهك أصلاً.
وبعد مضي أكثر من عام على بدء موجة إغلاق المدارس الجماعي، ما يزال الأطفال مثل أحمد وإخوته يقطعون الكيلومترات يومياً للوصول إلى مقاعدهم الدراسية، بينما يستمر التسرب المدرسي في الارتفاع، وسط غياب الحلول.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفيّة مُشتركة لشبكات الإعلام والصّحافة التعاونيّة في سوريا، نَظمتها مُؤسسة MiCT الإعلاميّة بالتعاون مع 12 مُؤسسة إعلاميّة سوريّة مُستقلة”




