تقارير

سُوريّات بينَ الطّموح وحدود الحركة.

أُميمة محمد

كل صباح تتفقد مروة حاج أحمد بريدها الإلكتروني، تنتظر ردّاً واحداً فقط على عشرات طلبات التوظيف التي أرسلتها، علّها تحظى بفرصة عمل مناسبة في المجال الذي درسته واختارته بشغف.

مروة، الصحفية الشابة من مدينة حارم بريف إدلب والمقيمة الآن في أعزاز بريف حلب فقدت عملها في شركة اتصالات قرب مكان سكنها قبل نحو شهر، بعد أن عجزت منذ تخرجّها في كلية الإعلام قبل عام عن العثور على وظيفة ضمن اختصاصها، على الرغم من امتلاكها خبرةً طويلة اكتسبتها خلال عملها في عدة مؤسسات إعلامية أثناء فترة دراستها.

لم تغب الفرص نهائياً، إذ عُرض على مروة العمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الرسمية في دمشق، إلا أن صعوبة تغيير مكان السكن وارتفاع أسعار الإيجارات في العاصمة اضطُرّاها إلى رفض العرض، إضافةً إلى مسؤولياتها العائلية بوصفها الابنة الكبرى والمعيلة لأسرتها.

بعد سقوط نظام الأسد ازداد الواقع المهني للصحفيات السوريات تعقيداً، خاصة في إدلب وريف حلب، حيث كانت تضم أعداداً كبيرة من الصحفيات، وبات الحصول على فرصة عمل مستقرة تحدياً كبيراً يرافق الكثير منهن.

إيمان سرحان، صحفية من إدلب بدأت عملها الإعلامي قبل نحو عقد من الزمن، وعملت لعدة مؤسسات صحفية، قبل أن تضطر للعمل كمدخلة بيانات في مستشفى لتغطية نفقات أسرتها، بعد بحث طويل لم يثمر عن فرصة مناسبة في مجال الإعلام.

تقول إيمان “توجد فرص عمل في المدن الرئيسة، لكننا صحفيات إدلب وريف حلب من الصعب أن نكون جزءاً منها”.

تواجه صحفيات سوريات في شمال غربي سوريا اليوم تحدياتٍ متعددة تحول دون حصولهنّ على فرص عمل.

تصطدم طموحاتهن بعوائق الجغرافيا، وتكاليف التنقل والقيود الاجتماعية، والأهم من ذلك الحصول على عمل ضمن اختصاصهن في ظل شروط يصفنها بـ “القاسية” تفرضها المؤسسات الإعلامية.

توضح مروة: “أصبحت فرص العمل في المجال الإعلامي قليلةً جداً، وفي الوقت نفسه باتت العديد من المؤسسات تطلب موظفين للعمل في مكاتبها بدمشق، وهو ما دفعني للبحث عن فرص في الشمال السوري أو عبر الإنترنت”.

تُقدَّر تكلفة إيجار منزل متواضع بريف دمشق القريب من المدينة بنحو 300 دولار شهرياً، ويصل إلى نحو 700 دولار شهرياً في المنازل الأقرب للمركز أو الأكثر اتّساعاً، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه متوسط الرواتب في مؤسسات صحفية رسمية وخاصة 800 دولاراً، وهو ما يُعد أحد أبرز الأسباب التي تدفع مروة وغيرها من الصحفيات إلى التفكير مليّاً قبل مناقشة فكرة الانتقال نحو العاصمة.

وتضيف مروة “أسأل أصدقائي بشكل دائم إن كانت الوسائل الإعلامية التي يعملون بها بحاجة إلى صحفية، وأُرسل سيرتي الذاتية أحياناً. كما أتابع فرص العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، وأشارك في التدريبات بهدف التشبيك، لكنني لم أتمكن من الحصول على فرصة مناسبة حتى الآن”.

مريم، صحفية من ريف حلب، تبحث هي الأخرى عن عمل ثابت، اقتصر عملها خلال الفترة الماضية على الكتابة بـ “القطعة” كصحفية مستقلة، تقول إن “معظم الجهات والوسائل الإعلامية تشترط امتلاك معدات لا قدرة لي على شرائها”.

تحمّل مريم الجهات الرسمية مسؤولية التوظيف، معتبرةً أنها تملأ الشواغر دون نشر أي روابط تسجيل، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه الوساطات والمعارف في التعيين، على حد قولها.

وتضيف أنها اضطّرت للعمل كصحفية مستقلة بأجور متدنية، وأحياناً في مجالات بعيدة عن الصحافة.

مع ازدياد المنافسة في العمل الإعلامي، اشترطت العديد من المؤسسات اليوم ميزات إضافية لم تكن مطلوبةً سابقاً، مثل الالتزام بدوام مكتبي، والقدرة على التنقل والسفر لحضور تدريبات وتغطيات، إضافةً إلى مهارات الظهور أمام الكاميرا أو امتلاك خبرات احترافية عالية، الأمر الذي أسهم في الحد من حضور الإعلاميات، خاصة في إدلب وريف حلب، حيث تشكل العادات الاجتماعية والارتباطات العائلية عائقاً أمام حرية الحركة والتنقل.

هكذا يضيع الكثير من الفرص أمام الصحفيات، خاصة مع توسّع الرقعة الجغرافية للعمل الصحفي بعد سقوط النظام، والتي أتاحت المجال لعدد أكبر من الصحفيين للانخراط في العمل الميداني، على خلاف السابق حين كانت المساحة الجغرافية محدودة والعمل محصوراً ضمن نطاق ضيق، ما جعل الحركة أسهل نسبياً.

سلوى عبد الرحمن، تمتلك أكثر من عشر سنوات من الخبرة الصحفية، تقول إن “أغلب الوكالات لا يريدون مراسلين في إدلب، لست مضطرة لتغيير سكني والانتقال إلى محافظة أخرى وترك أولادي ولا قدرة لي على الاستئجار بمكانين”.

وتشير سلوى إلى أن معظم المؤسسات لا تغطي تكاليف التنقل والإقامة لحضور المؤتمرات والاجتماعات وهو ما يفرض على الصحفية الخروج باكراً وقطع مسافات لتغطيتها.

سلوى تؤكد أن تغطية هذه الفعاليات شبه مستحيلة، وهو ما دفعها للعمل بإنتاج مواد القطعة مع ما يحمله هذا العمل من تحديات، “ممكن مايقبلوا المقترح، أو يرفضونه بعد تصويره، أو قد يكون الأجر قليلاً، ومن الممكن التأخر في التسليم”.

وبأسى تخبرنا سلوى أنها وبعد عشر سنوات من العمل الصحافي والميداني تجد نفسها اليوم بلا عمل ثابت.

لا يختلف الحال كثيراً بالنسبة للأمهات العاملات في الصحافة.

معدّة هذا التقرير أم وصحفية، أعمل في المجال منذ ستة أعوام. منذ بداية العام، وبعد توقف العديد من المنظمات عن العمل في شمال غربي إدلب، أجريت تواصلاً مع عدة مواقع إعلامية بهدف العمل معها، إلا أن النتيجة كانت أن معظم الفرص تتطلب دواماً مكتبياً، وهو ما يشكّل عائقاً في ظل وجود الأطفال والعائلة.

اضطررتُ أكثر من مرة للاعتذار عن المشاركة في تدريبات تُقام في دمشق أو خارج سوريا، وفضّلت حضورها عبر الإنترنت، نظراً للمسؤوليات المترتبة عليّ في رعاية أطفالي وعائلتي، وغياب الدعم الأسري الذي يمنعني من السفر. حتى إنني اضطُررت في المرة الأخيرة إلى اصطحاب طفلي معي من إدلب إلى دمشق.

ترى حنين السيد، صحفية من إدلب تركت تخصصها الجامعي واتجهت إلى العمل الإعلامي مع بداية الثورة السورية كردّة فعل على ما شاهدته من وحشية واعتداء واعتقالات لطلاب جامعة حلب ، أن “أغلب الصحفيات أصبحن اليوم أمهات وزوجات ولديهن أطفال، وهذا يعيق عملنا في أماكن أخرى بسبب ارتباطنا بالعائلة”.

الصحفيات بنظر حنين، أسهمن بكل ما استطعن، بالكتابة وبالصوت والصورة، وكان لهن دور كبير في نقل زوايا كان يصعب نقلها من خلال الصحفيين. ورغم الدور الذي لعبته الصحفيات على مدار 15 عاماً يجدن أنفسهن اليوم خارج الميدان.

لمار (اسم مستعار) لصحفية لا يختلف حالها كثيراً عن زميلات المهنة، تقول إنها لم تجد دعماً من محيطها، واقتصر عملها في الصحافة خلال أكثر من عام على العمل دون علم زوجها.

وتضطر في كل مرة تخرج فيها للتصوير لاختلاق رواية مختلفة، وللنشر باسم مستعار، فقط لتتمكن من ممارسة الشغف الذي لطالما حلمت بتحقيقه.

في المقابل، تحفّظت إدارة صحيفة الثورة الحكومية عن الردّ على مشكلات الصحفيات التي تواجههن، ورفضت الإجابة على أي استفسار يتعلق بوضع الصحفيات الحالي والسياسات المتبعة ومعايير التوظيف المعتمدة لديها، مكتفيةً بالقول “نحن كمؤسسة رسمية لا يمكننا الإجابة”.

تتفق الصحفيات اللواتي جرى لقاؤهن على أن إنصافهن يبدأ بإتاحة فرص عمل عن بُعد، مثل أعمال التحرير والوظائف التي لا تتطلب حضوراً مكتبياً، إلى جانب تقديم تسهيلات ومنحهن أولويةً في التوظيف والمشاركة في الفعاليات الرسمية والاجتماعات المركزية، والابتعاد عن تصدير المؤثرين والشخصيات التي ظهرت فجأةً دون التحقق من خلفياتها المهنية.

ما تزال مروة تفتح هاتفها كل صباح بحثاً عن فرصةٍ تعيدها إلى المهنة التي درستها واختارتها عن قناعة.

وتختصر قصتها واقع صحفيات وجدن أنفسهن خارج الميدان، لا بسبب غياب الكفاءة، بل تحت وطأة الجغرافيا والقيود الاجتماعية وشروط سوقٍ إعلاميٍّ يضيق بهن أكثر، على أمل أن تُفتح أمامهن آفاقٌ أوسع.

“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفيّة مُشتركة لشبكات الإعلام والصّحافة التعاونيّة في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلاميّة بالتعاون مع 12 مُؤسسة إعلاميّة سوريّة مُستقلّة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى