
غذاءٌ بلا أرض: كيف تبحث سوريا عن غذائها خارج التربة
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”
في بيتٍ بلاستيكيّ يخضع لكل تفصيلة محسوبة، تنمو نباتات من دون تربة. جذورها ثابتة في وسط بديل، وأوراقها تمتد فوق أحواض وأنابيب صُمّمت بعناية، فيما تتولى المياه والمحاليل المغذّية مهمة الإمداد بالحياة.
مشهد غير مألوف لدى من اعتاد الزراعة في التراب، ويثير العديد من الأسئلة، بين من يراه تجربة غريبة عن تقاليدنا الزراعية، ومن يراه محاولة للنجاة في بلد أنهكه الجفاف.
من أرضٍ صخرية تفتقر إلى التربة، تتوزع فيها أشجار الزيتون بين الصخور، بدأ المهندس الزراعي ظهير الصالح رحلة بحثه عن طريقة تمكّنه من الزراعة وفق هذه الطبيعة، قبل أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن.
فكرة “الزراعة من دون تربة” التي توصّل إليها الصالح بوصفها حلاً لم تلقَ تشجيعاً في محيطه.
يستعيد بدايات تجربته وما رافقها من تشكيك ولوم، إذ لم يستطع من حوله تخيّل نباتات تنمو في الماء. كان كثيرون ينتظرون، كما يقول، أن يضيع جهده سدى.
يقول المهندس الزراعي: “كان الناس ينظرون إلى المشروع على أنه اختراع غريب، استهجنوا الفكرة ونشروا قصصاً وتصورات غير دقيقة عنها من دون أن يجرّبوها”.
وبعيداً عن المصطلحات العلمية المعقّدة، يختصر الصالح الزراعة من دون تربة ببساطة: “أحواض، وسط بديل، ومحلول مغذّي”.
من تجربة للاكتفاء الذاتي إلى مصدر رزق، بدأت النظرة إلى “الزراعة من دون تربة” أو ما يُعرف بالزراعة المائية، تتغيّر تدريجياً.
فقد حقّقت هذه الزراعة نجاحات في دول مختلفة، مكّنت المزارعين من إنتاج محاصيل بجودة عالية باستخدام موارد أقل.
في سوريا، لا تكمن المشكلة في نقص الأراضي الصالحة للزراعة بقدر ما ترتبط بالجفاف وشحّ المياه، يقول المهندس الزراعي مهند عزّام، صاحب أحد مشاريع الزراعة من دون تربة في السويداء. ويضيف أن الحاجة إلى هذا النوع من الزراعة باتت ملحّة، “هي ضرورة للأجيال القادمة. الأراضي متوفرة، لكن الجفاف هو السبب الأساسي، والمياه هي العامل الحاسم”
.لم تعد الزراعة التقليدية، القائمة على التربة والمياه، قادرة دائماً على الصمود أمام تقلبات المناخ، مواسم غير مستقرة، أمطار شحيحة، وموارد مائية تتراجع، عوامل تدفع المزارعين والباحثين إلى البحث عن طرق بديلة للزراعة، قادرة على تأمين الغذاء من دون استنزاف البيئة، خاصة مع اتساع رقعة الجفاف وازدياد عدد السكان، كما تشير دراسة مرجعية عن الزراعة المائية.
سوريا الجافّة يشكّل قطاع الزراعة إحدى الدعائم الأساسية للاقتصاد السوري.
فبحسب دراسات البنك الدولي، تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 32% من مساحة البلاد، وتسهم الزراعة بنحو 28% من الناتج المحلي.
لكن هذا القطاع يواجه اليوم واحدة من أصعب مراحله. فوفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تشهد سوريا أسوأ موجة جفاف منذ ستة وثلاثين عاماً، تضررت خلالها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ودُمّر ما يقارب ثلاثة أرباع الأراضي البعلية، فيما تراجعت كفاءة شبكات الري وانخفض منسوب المياه المروية، إلى حدّ لم يعد يسمح بإنتاج زراعي مستقر.
يرتبط الجفاف بعاملين أساسيين، انخفاض الهطولات المطرية وزيادة التبخر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، ومع الوقت، ينعكس ذلك جفافاً في التربة، وتراجعاً في مستويات المياه الجوفية، وانحساراً مستمراً في الأنهار والبحيرات.
ومع استمرار الاستنزاف، تتزايد خسائر المياه. إذ تُقدَّر كمية المياه المفقودة في سوريا بنحو 2.2 مليار متر مكعب فيما يتجاوز ضخّ المياه الجوفية سنوياً 34 مليون متر مكعب في كل عام، وهو رقم يفوق بكثير ما يمكن أن تعوّضه الموارد المتجددة.
رافق هذا الواقع تراجع واضح في تدفّق المياه عبر الأنهار، ولا سيما نهر الفرات، إذ انخفضت كميات المياه المتدفقة من تركيا في عام 2020 إلى أقل من نصف ما تنصّ عليه الاتفاقات الدولية. وفي الوقت نفسه، تراجع متوسّط معدلات الأمطار من نحو 350 ملم عام 2010 إلى قرابة 250 ملم عام 2024، ما انعكس انخفاضاً في كميات المياه المحتجزة خلف السدود، التي تراجعت من 19 إلى 15 مليون متر مكعب.
ويضاف إلى ذلك خسارة أكثر من ثلث الغابات، نتيجة الحرائق والاحتطاب الجائر للأشجار الزراعية والحراجية، إلى جانب تدمير البساتين وتهجير مزارعيها قسراً، وترك مساحات واسعة من الأراضي من دون عناية، ما أدى إلى يباسها وتدهور قدرتها على الإنتاج.
أمام هذا الجفاف، خسرت التربة الزراعية خصوبتها وتحوّلت من تربة صالحة للزراعة إلى جافة، خاصة مع فقدان قنوات الري والمياه الجوفية، وصعوبة وتكاليف استخراجها، لذلك كانت الزراعة بدون تربة، أو الزراعة المائية، حلّاً من شأنه الاستغناء عن التربة وتوفير كميات كبيرة من المياه التي يندر وجودها.
زراعة بديلةيقدّر دليل زراعي بعنوان “مشروع الزراعة بدون تربة أو الزراعة المائية بالتفصيل من الألف إلى الياء” أن جذور هذا النوع من الزراعة تعود إلى القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد.
فقد ظهرت أشكال مبكرة منها في حدائق بابل المعلّقة، والحدائق العائمة في الصين، وفي نمو النباتات على ضفاف نهر النيل من دون تربة.
كما عرفت لاحقاً في الزراعة العائمة فوق البحيرات لدى قبائل الأزتك في القرن الرابع عشر الميلادي.
الدكتور موفق الشيخ علي، استشاري إدارة الموارد الطبيعية، ومدير عام شركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد السورية، يشرح ما يصفه بـ “أصل العلاقة بين الزراعة والتربة”.
ويوضح أن للتربة ثلاثة أدوار أساسية في الزراعة: فهي الوسط الذي يتيح للنبات امتصاص العناصر الغذائية، والمكان الذي تتثبت فيه الجذور وتمنح النبات استقراره، إضافة إلى كونها نقطة ارتكاز للنبات على سطح الأرض. ويوضح الشيخ علي أن الزراعة من دون تربة تقوم على استبدال أدوار التربة الثلاثة بمحلول مائي، إلى جانب دعم ميكانيكي يوفّر للنبات الثبات اللازم للنمو.
عالمياً، تُستخدم الزراعة من دون تربة بشكل أساسي في إنتاج الخضروات، ولا سيما الخس والبندورة والخيار، وغيرها من المحاصيل ذات المجموع الخضري الصغير نسبياً والقيمة الاقتصادية الأعلى، والتي تناسب الزراعة العمودية، حيث تُزرع النباتات في طبقات متقاربة فوق بعضها البعض.
وينصح المهندس الزراعي مهند عزّام بالتوجّه إلى هذا النوع من الزراعة حتى في المناطق التي لا تزال تتوافر فيها المياه، محذّراً من أن هذا التوافر قد يكون مؤقتاً في ظل الاستنزاف المستمر للموارد.
ويضيف أن “الزراعة من دون تربة لا تشكّل حلاً شاملاً لمشكلات الأمن الغذائي، لكنها قادرة على منح الأسر درجة من الاكتفاء شبه اليومي، خاصة عند استثمار أسطح المنازل في الزراعة”.
ليست صناعة.. بل زراعة متطورة من ماء وجذر أطلق مهند عزام مشروعه المتخصص بالزراعة المائية في مدينته السويداء، بعد أن عاد إليها قادماً من لبنان التي تنقل فيها بين أعمال مختلفة قادته بعد عامين للعمل بمجال دراسته في الهندسة الزراعية.
على سطح بمساحة أربعمائة متر، بدأ عزام مشروعه الزراعي بدون تربة لأسباب تتقاطع مع ما يعيشه مزارعو سوريا من جفاف للتربة وتكلفة مرتفعة للزراعة التقليدية وأزمات المياه. استخدم عزام وسطاً بديلاً متوفراً في السويداء مدينته، الحجر البركاني، وبدون فلاحة أو تعشيب جهز المحاليل المغذية لنباتاته بشكل شخصي، وبحسب احتياج كل نوع منها، يقول “أحياناً يكون المحلول عضوي وأحياناً كيميائي، بنسب قليلة جداً”.
يوضح عزّام أن متابعة الزراعة المائية تتطلب عناية يومية، تبدأ بمراقبة نسب الحموضة (PH) ودرجة الناقلية الكهربائية في خزان المياه الخاص بالمحاليل المغذّية. ويشبّه المشروع بطفل حديث الولادة يحتاج إلى رعاية مستمرة، من متابعة صحة النبات، إلى التدخل عند تعرّضه لإصابة حشرية، وصولاً إلى مراحل لاحقة مثل نقل بعض الزراعات إلى التربة، والتقليم والعناية بمحاصيل كالبندورة والخيار.بينما يوضح المهندس ظهير الصالح أن الزراعة المائية لا تختلف في نتائجها عن الزراعة التقليدية.
فالنبات، كما يقول، ينمو ويزهر ويعقد ثماره بالطريقة نفسها، من تلقيح الزهرة حتى نمو الثمرة. وفي الخضروات الورقية، مثل الخس أو الملفوف، ينمو النبات ليعطي أوراقه بشكل متكتل، مع فارق واحد فقط: الشتول لا تُزرع في التربة، بل توضع في حوض يحوي وسطاً بديلاً وتسقى بالمحلول المغذي.
لا تقوم الزراعة من دون تربة على الصبر وحده، بل تتطلب خبرة تقنية ومتابعة دقيقة، فنجاحها مرتبط بالتأكد المستمر من توازن العناصر الغذائية في المحلول المغذّي، إذ يوضح ظهير الصالح أن النبات يحتاج إلى 13 عنصراً أساسياً ليكمل دورة حياته بشكل طبيعي، من بينها الآزوت، والبوتاسيوم، والكالسيوم، والمغنيسيوم، والفوسفور، والمنغنيز، والكلور، والنحاس، والحديد، والزنك، والبورون، والموليبدن، والنيتروجين. ويؤدي غياب أي من هذه العناصر إلى خلل فيزيولوجي قد يمنع النبات من النمو أو الإثمار.أقسام الزراعة بدون تربةلا تقوم الزراعة من دون تربة على نموذج واحد ثابت، بل تتخذ أشكالاً مختلفة بحسب الطريقة التي يُستخدم بها المحلول المغذّي، وبحسب الوسط الذي تنمو فيه الجذور.
ففي بعض الأنظمة، يُضخّ المحلول مرة واحدة ثم يُستغنى عنه، وهو خيار يوفّر قدراً كبيراً من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية، ويحدّ من انتشار الأمراض.
وفي أنظمة أخرى، يُعاد جمع المحلول نفسه في خزّان ويُستخدم مراراً لريّ النباتات، ما يقلّل الهدر إلى حدّ كبير، لكنه يتطلب عناية مضاعفة، لأن أي خلل قد ينتقل بسرعة من نبتة إلى أخرى.أما الجذور، فلا تسكن دائماً في وسط صلب.
أحياناً تنمو مباشرة في الماء، وأحياناً تتدلّى في الهواء داخل بيئة رطبة تُرشّ بالمحلول على فترات منتظمة، أو تستقرّ في أوساط بديلة تحلّ مكان التربة. تختلف هذه الأوساط في طبيعتها وخصائصها، لكن الهدف واحد: توفير ما تحتاجه النبتة من غذاء ودعم، من دون أن تلامس التربة.وأياً كان النموذج المستخدم، لا يرى ظهير الصالح في هذه الزراعة الزراعة حلاً سحرياً أو مخلّصاً قادراً على مضاعفة الإنتاج عشر مرات كما يروّج البعض. يصف هذه النظرة بأنها “خيالية”، ويضعها في إطارها العملي: حلّ لمشكلات التربة حين تفقد خصوبتها، أو بديل حين تصبح غير صالحة للزراعة، لا أكثر ولا أقل.
على الضفة الأخرى، يتحدث مهند عزام عن تجربته بثقة أكبر، ويصفها بأنها تجربة “رابحة” وذات جدوى اقتصادية على المدى الطويل، لكن بشرط واضح: الصبر والدقة.
فالربح، كما يقول، لا يأتي سريعاً، بل يتطلب تخطيطاً طويل الأمد، ودراسة جدوى حقيقية، ومتابعة يومية لا تعرف الإهمال.
يوضح عزام فكرته بمثال عملي من زراعة البندورة. ففي المساحات الصغيرة، مثل مئة متر مربع، قد يصل الإنتاج إلى 500 أو 600 كيلوغرام، لكن العائد غالباً لا يغطي التكاليف، ما يجعل المشروع عند حدّ اقتصادي حساس. أما حين تتوسع المساحة، تنخفض المخاطرة، وتصبح فرص الربح أعلى وأكثر استقراراً.
تجارب خاسرة في منطقة السلمية بريف حماة، حيث التربة الصحراوية ضعيفة الخصوبة ومواسم الأمطار الشحيحة، أنشأ فريد حويجة، مهندس زراعي، مشروعة في الزراعة بدون تربة، والذي تحوّل على حدّ قوله إلى ما يشبه “أحد المتاحف أو المعارض الثقافية”، لما استقبله من زوار وطلاب للتعرف على هذه الزراعة.
بيت بلاستيكي بسيط، ووسط بديل من حجارة الخفان البركانية استقدمها من السويداء، ومحلول مغذٍّ ركّبه حويجة بنفسه، بحسب نوع المزروعات، ما أعدّه المهندس الزراعي لمشروعه الذي قال إنه “لم ينجح”، بسبب ضعف الكهرباء والدعم المادي المقدّم للتجربة، إضافة لظروف خاصة لم يفصح عنها.
يقول حويجة إن المشروع كان مؤهلاً للنجاح لولا الظروف التي منعت استكماله، ويرى في الزراعة بدون تربة، على صعوبة إقناع فلاح بتجريبها، “زراعة نظيفة ومنزلية تؤمن عملاً للنساء في الريف”، خاصة في المناطق التي يتشابه مناخها وتربتها بمنطقة السلمية التي وصف حويجة تربتها بـ “المريضة”. إلى أقصى الجنوب السوري ، رسمت جيانا خطّتها بتحويل مشروعها من نطاق الاستهلاك المنزلي لمسكبة تجاور منزلها وتزرعها بالفول والبصل والخس إلى مشروع للزراعة بدون تربة.ابنة قرية سهوة الخضر في السويداء لم تكمل دراستها في الهندسة الزراعية في دمشق لظروف تعيشها المنطقة، تقول “آني بحب الأرض، وبحب الزراعة، ولا علاقة للهندسة بهذا الأمر”، توّجهت إلى الزراعة المائية لأنه مشروع موّفر للمياه، وفي أرض ليست بعيدة عن مسكبة المنزل، وضعت جيانا البيت البلاستيكي الخاص بزراعتها.
لم ينجح مشروع جيانا، لكنها لا “تصفه بالسلبي”، تقول إن موسمها الأول كان ناجحاً بزراعة الكوسا والباذنجان، لكن أسعار السوق في الموسم الثاني أدّى إلى خسارة المشروع، إذ قدّرت تكلفة الكيلو غرام الواحد في مشروعها بين 1300 و 1500 ليرة، تقول “المشروع الصغير لا يحتمل الخسارة، لو أن المشروع أكبر، كانت فرص الخسارة أقل.
“تحمّل جيانا نفسها مسؤولية الخسارة لأنها لم تدرس الجانب الاقتصادي بشكل جيد قبل الزراعة، على حدّ قولها، في الوقت الذي تحاول توسيع مشروعها هذه المرة لتغطي مساحة أكبر وتتفادى الخسارة.
يرى الدكتور موفق إن هذا النوع من الزراعة ذو جدوى اقتصادية ولا سيما عند اتباع أنظمة زراعة مائية عامودية.ريّ وسماديتفق المزارعون والمهندسون، كما تشير الدراسات، على أن المكسب الأكبر للزراعة من دون تربة يكمن في توفير المياه والسماد، وإن اختلفت التقديرات حول حجم هذا التوفير.
يربط المهندس مهند عزام نسبة التوفير بالنظام المستخدم، موضحاً أن استهلاك المياه ينخفض عادة بما لا يقل عن 50%، وقد يصل إلى 80%، وفي بعض الحالات يتجاوز 90%.ولتوضيح الفارق، يقارن عزام بين احتياج بعض المحاصيل في الزراعة التقليدية ونظيرتها المائية.
فإنتاج كيلوغرام واحد من البندورة يحتاج في الزراعة التقليدية إلى نحو 80 لتراً من الماء، بينما يتطلب إنتاج نصف طن من الخس قرابة 120 برميلاً من المياه.
هذه الأرقام، كما يقول، تشرح وحدها لماذا بات البحث عن بدائل أقل استهلاكاً للمياه أمراً ملحّاً.
من واقع تجربته، يوضح مهند عزام أن الفارق في استهلاك المياه بين الزراعة التقليدية والزراعة من دون تربة كبير وواضح.
فإنتاج كيلوغرام واحد من البندورة في الزراعة المائية لا يحتاج إلى أكثر من 20 لتراً من الماء، بينما تتطلب الكمية نفسها من الخس نحو 25 برميلاً فقط، وهي أرقام تبيّن حجم التوفير مقارنة بالزراعة التقليدية.
في المقابل، يشير الدكتور موفق الشيخ إلى غياب إحصاءات دقيقة تحدد نسبة التوفير على نحو ثابت، إلا أن الصورة العامة واضحة. ففي الزراعة التقليدية لا يستفيد النبات من مياه الري السطحي إلا بنسبة لا تتجاوز 9%، فيما تضيع الكمية الأكبر بالتبخر أو في التربة.
أما في الزراعة المائية، حيث تُدار المياه ضمن دورة شبه مغلقة وفي ظروف قريبة من الزراعات المحمية، فإن نسبة التوفير لا تقل عن 60% من المياه المستخدمة عادة في الري التقليدي.
ولا يقتصر التوفير على المياه وحدها، بل يشمل السماد أيضاً. فبحسب عزام، تنخفض كميات السماد المستخدمة في الزراعة من دون تربة بنسبة تتراوح بين 30% و60%. ويشرح ذلك بمثال عملي: إنتاج طن واحد من الخس في الزراعة التقليدية قد يحتاج إلى ما بين مليون ومليون ونصف المليون ليرة سورية ثمناً للأسمدة، بينما لا تتجاوز تكلفة السماد في الزراعة المائية 350 ألف ليرة سورية.
وتشير دراسة بعنوان “الزراعة المائية” إلى أن الزراعة من دون تربة تمثّل أحد أكثر أساليب الإنتاج كفاءة في استهلاك الموارد، إذ تقوم على تقليل الهدر إلى الحد الأدنى. ووفق الدراسة، يمكن لهذا النوع من الزراعة أن يوفّر ما يصل إلى 80% من مياه الري، إلى جانب تقليل استخدام السماد المعدني بنسبة تقارب 70%، والاستغناء كلياً عن السماد العضوي، مقارنة بالزراعة التقليدية.
نكهة مختلفة”يحصل النبات على غذائه من دون منافسة”، هكذا يفسّر المهندس مهند عزّام النكهة القوية التي لاحظها في البقدونس المزروع من دون تربة. يقول إن الطعم كان أكثر حدّة ووضوحاً، “نكهة افتقدها الناس منذ زمن”، كما يصفها، ويربطها بوصول العناصر الغذائية مباشرة إلى النبات من دون أن تتقاسمها أعشاب أو كائنات أخرى في التربة.
تجربة جيانا ابنة محافظة السويداء مع زراعة الباذنجان جاءت بنتيجة مشابهة، وإن من زاوية مختلفة. فهي لا تقدّم تفسيراً علمياً قاطعاً لغياب المرارة عن محصولها، لكنها تتذكر كيف كانت تربط الطعم المرّ سابقاً بقلة الريّ في الزراعة التقليدية. في مشروعها، أخبرها أحد المهندسين أن توازن العناصر في المحلول المغذّي قد يكون السبب.
تقول إنها لم تختبر الفكرة في المختبر، لكنها لمستها في المطبخ، مع أول طبق “باذنجان مشوي” أعدّته من محصولها، من دون ذلك الطعم المرّ الذي اعتادته.
يرى المهندس ظهير الصالح أن جودة الإنتاج في الزراعة بدون تربة لا تعود إلى استخدام محسنات أو إضافات خاصة، بل إلى ظروف نمو مختلفة كلياً.
فالنبات، كما يشرح، يحصل على غذائه بسهولة أكبر، وفي بيئة رطبة ومستقرة، من دون منافسة من الأعشاب أو الكائنات الدقيقة، ومن دون أمراض التربة الشائعة كالفطريات والديدان.
هذه العوامل مجتمعة، برأيه، تمنح النبات فرصة نمو أكثر توازناً وجودة أعلى.
وتدعم دراسات متخصصة هذا الطرح. إذ تشير دراسة بعنوان “الزراعة المائية كبديل للزراعة التقليدية” إلى أن هذا النوع من الزراعة يتيح تحكماً أدق في العناصر السمادية، حيث تُحضَّر الخلطات وفق نسب مدروسة ومجرّبة مسبقاً، بما يلبّي احتياجات النبات بشكل مباشر.
كما يسمح ذلك بالتحكم بمستويات النترات والأملاح، وهو ما ينعكس تحسناً في الشكل والطعم والصفات التسويقية للمنتجات.لكن، ورغم ما توفره الزراعة بدون تربة من مياه وسماد، وما تعيده من نكهة افتقدها كثيرون، فإنها ليست خالية من التحديات. فهذه الزراعة، كما يتفق مزارعون ومهندسون، تبقى محدودة في أنواع محاصيلها، مرتفعة الكلفة في بداياتها، وحساسة للأمراض في حال سوء الإدارة، ما يجعلها خياراً واعداً، لكن غير بسيط أو مضمون النتائج دائماً.
تكاليف متغيرةمن حيث المبدأ، يمكن زراعة معظم المحاصيل من دون تربة، لكن الواقع يفرض حسابات مختلفة. فليس كل ما يمكن زراعته مجدياً اقتصادياً، كما يوضح المهندس مهند عزّام. ما يحدّد الخيارات هنا هو الكلفة، والعائد، وحجم المشروع.يرى عزّام أن الخضار الثمرية والموسمية، مثل البندورة والخيار، هي الأكثر ملاءمة للزراعة بدون تربة في سوريا.
في المقابل، تقلّ جدوى زراعة الأشجار الخشبية، لأنها تحتاج إلى هياكل كبيرة ومتينة ترفع الكلفة إلى مستويات عالية. الأمر نفسه ينطبق على محاصيل مثل القمح والشعير والبقوليات، التي تتطلب كميات ضخمة من الشتول، ما يجعل زراعتها التقليدية أكثر منطقية وأقل مخاطرة.ولا توجد، بحسب المهندس ظهير الصالح، كلفة موحّدة لهذا النوع من الزراعة.
فالمشاريع قد تبدأ صغيرة، بكلفة لا تتجاوز مليون ليرة سورية، ثم تتوسع تدريجياً كلما كبر حجم المشروع وتحسّنت المواد المستخدمة.ويقسّم عزّام التكاليف إلى نوعين: ثابتة ومتغيّرة. التكاليف الثابتة تشمل البنية التحتية، مثل البيت البلاستيكي وهيكله المعدني، والنايلون، والنظام الزراعي، والوسط البديل، وشبكة الري. هذه المكونات تختلف أعمارها؛ فشبكة الري الجيدة قد تدوم ثلاث سنوات، فيما يستمر النظام الزراعي والوسط البديل قرابة عشر سنوات، وقد يمتد عمر الهيكل المعدني إلى أكثر من خمسة عشر عاماً. أما النايلون، فتتراوح مدة استخدامه بين خمس وعشر سنوات بحسب جودته.في المقابل، تبقى التكاليف المتغيّرة مرتبطة بالاستخدام اليومي، كالمياه، والمحاليل المغذية، ومواد الرش عند الحاجة. وهي نفقات تتكرر، لكنها تبقى، وفق المزارعين، أقل استنزافاً من كلفة الزراعة التقليدية على المدى الطويل.ويفرّق عزّام بين نوعين من الزراعة بدون تربة، يختلفان من حيث الكلفة وطبيعة العمل. الأول هو الزراعة داخل بيت محمي، حيث تبدأ التكلفة من نحو ثلاثة آلاف دولار. تشمل هذه الكلفة إنشاء البيت البلاستيكي، وتغطيته بالنايلون، وصب القواعد، وأجور العمال. وترتفع الكلفة أكثر في حال الزراعة خارج الموسم، بسبب الحاجة إلى أنظمة تدفئة أو تبريد للحفاظ على استقرار البيئة الزراعية.أما الخيار الثاني، فهو الزراعة المكشوفة من دون بيت بلاستيكي، وهي أقل كلفة، إذ لا تتجاوز في العادة ألف دولار. غير أن هذا النمط يضع المزارع تحت رحمة الطقس، ويجبره على الالتزام بالمواسم الطبيعية. وتقتصر نفقاته على تركيب النظام الزراعي، وأجور العمال، وتسوية الأرض، وحفر خزان لتجميع المياه الراجعة، إضافة إلى تكاليف التغذية والشتول.آفات أقلّيرى مهند عزّام أن الأمراض، ولا سيما الفطرية، يمكن التعامل معها في الزراعة بدون تربة بمرونة أكبر مقارنة بالزراعة التقليدية. ويعزو ذلك إلى أن الإصابة في الزراعة التقليدية لا تقتصر على النبات وحده، بل تمتد إلى التربة نفسها، التي تتحول إلى بيئة حاضنة للفطريات في أطوارها المختلفة، ما يجعل عملية المعالجة أكثر تعقيداً وكلفة. وينطبق الأمر ذاته على الإصابات الحشرية، التي تبقى محدودة نسبياً ما لم تخرج الآفة عن السيطرة وتنتشر في كامل المشروع.وبحسب تجربة عزّام، تسهم الزراعة بدون تربة في تقليل الإصابة بالآفات الزراعية بنحو 50%. غير أن هذه الصورة لا تخلو من تعقيدات. إذ يلفت كتاب «مشروع الزراعة بدون تربة أو الزراعة المائية بالتفصيل من الألف إلى الياء» إلى وجود فروق واضحة بين الأنظمة المفتوحة والمغلقة، مشيراً إلى أن خطر تفشي الأمراض الفطرية يكون أعلى في الأنظمة المغلقة مقارنة بالزراعة التقليدية. ويعود ذلك إلى اشتراك النباتات في المحلول المغذي نفسه، ما يجعل انتقال العدوى أسرع في حال تلوثه.اليوم، تدخل الزراعة بدون تربة بوصفها مكمّلاً للزراعة التقليدية لا بديلاً عنها. يتكئ مزارعوها على ما توفره من مزايا، خصوصاً في ترشيد المياه وتقليل الفاقد، على أمل أن تحظى بمزيد من الدعم، فتكون جزءاً من الإجابة عن تحديات الجفاف وندرة المياه، وخياراً يساهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي في بلد يعيش جزء واسع من سكانه على حافة انعدام الأمن الغذائي.




