تقارير

في جنوبيّ الحسكة .. “مياه مُرّة” وعيشٌ أكثر مرارة.

مصعب الحامدي

في كل صباح، يتجه أبو أحمد الخلف أولاً إلى خزان المياه قبل أن يبدأ أي شيء آخر في يومه.

يرفع الغطاء، يقّدر الكمية المتبقية ويحسب إن كانت ستكفي عائلته يوماً آخر من الشرب والغسيل والطهو.

في قرية قانا، جنوبي مدينة الحسكة، لم يعد هذا التفقد تفصيلا عابراً في الحياة اليومية، بل صار عادة مشتركة بين معظم الأهالي، في ظل قلق دائم من نفاد الماء وارتفاع تكلفةتأمينه.

يقول الخلف: “الحفاظ على كمية مياه تكفي عائلتي المكّونة من خمسة أشخاص أمر لا يمكن التهاون فيه”.

ويضيف أن تأمين المياه لا يغيب عن تفكيره، لأن الحصول عليها لم يعد سهلا، فيما تزداد كلفتها على العائلات التي تعيش أصلاً تحت ضغط معيشي متواصل.

وبحسب الخلف، تعتمد القرية على مصدرين رئيسين للمياه.

الأول، مياه صالحة للشربُ تنقل عبر صهاريج من “محطة نفاشة” لتحلية المياه، القريبة من جبل كوكب شرقي مدينةالحسكة، ويصفها بأنها الأفضل لأنها لا تحتاج إلى فلترة إضافية.

أما المصدر الثاني، فهوآبار تقع على أطراف مدينة الحسكة، وُتستخدم مياهها في الغسيل وللاستخدامات المنزلية الأخرى، رغم أن جودتها أقل.

لكن جودة المياه لا تعني بالضرورة سهولة الوصول إليها. فمياه الصهاريج الصالحةللشرب ُتعّد مرتفعة التكلفة بالنسبة لكثير من العائلات، إذ يبلغ سعر خزان بسعة خمسةبراميل نحو 50 ألف ليرة سورية، ما يدفع معظم الأسر إلى حصر استخدامها في الشرب والطهو فقط.

ويقول الخلف إن عائلته تضطر إلى تقنين استهالكها بدقة، لأن الخزان الواحد يكفيها أسبوعاً، وقد يمتد إلى عشرة أيام في أفضل الأحوال إذا التزم الجميع بالترشيد.

أما مياه الآبار، فرغم أنها أقل كلفة نسبياً، إذ يبلغ سعر الكمية نفسها نحو 40 ألف ليرةسورية، فإنها ليست صالحة للشرب أو الطهو.

وعند الضرورة، تلجأ بعض العائلات إلى معالجتها بوسائل منزلية بسيطة، كغليها أكثر من مرة وتركها لتبرد قبل شربها أواستخدامها في إعداد الطعام ومع ذلك، لا تملك جميع عائلات القرية القدرة على شراء المياه من هذين المصدرين بشكل منتظم، ما يدفع بعضها إلى الاعتماد على مياه الآبار السطحية المحفورة قرب المنازل.

غيرأن هذه المياه غالباً ما تكون مالحة، نتيجة ارتفاع نسبة المعادن فيها، ما يجعل استخدامهاخياراً اضطرارياً أكثر منه حالً.

هذه المياه ليست صالحة للشرب، لكنها ُتستخدم في التنظيف والغسيل وسائر األعمالالمنزلية.

ويطلق عليهاالأهالي في جنوبي الحسكة، حيث يعيش أكثر من 300 ألف نسمة،اسم “المياه المرة”، في إشارة إلى طعمها الالذع وغير المستساغ، الناتج عن اختالط الماء المالح بالمعادن

.لكن حتى هذا النوع من المياه، الذي كان ُيعّد في السابق متاحاً نسبياً، لم يعد الوصول إليه سهلا كما كان.

ويقول سكان في المنطقة إن حفر بئر بعمق يتراوح بين 40 و50 متراً كان كافياً فيسنوات سابقة، أما اليوم فقد بات الوصول إلى المياه يتطلب الحفر إلى عمق يقارب 100متر، ما يضاعف التكلفة ويجعل االعتماد على اآلبار أكثر صعوبة بالنسبة لكثير منالعائالت.في مدينة الشدادي، القريبة من قانا، تجلس أم فارس قرب وعاء كبير تغسل فيه أوانيالطعام.

تبدو يداها متشققتين وتشكو من أن األلم يشتد كلما المستا الماء.

تربط أم فارس هذهالتشققات باستخدام المياه غير العذبة في أعمال التنظيف اليومية، وهي مهمة ال يمكنالتوقف عنها رغم ما تخلّفه من أذى.ال تقف آثار هذه المياه عند حدود األلم الجسدي، بل تمتد إلى شعورها بنفسها أيضاً.

فمع تفاقم التشققات وتغّير ملمس الجلد، باتت تشعر بالخجل من مظهر يديها، وتحاول إخفاءهما تحت عباءتها حين تلتقي اآلخرين.للتخفيف من الألم، تلجأ أم فارس أحياناً إلى استخدام جزء من المياه الأفضل جودة،المخصصة أساساً للشرب والطهو لعائلتها المؤلفة من أربعة أشخاص، في غسل يديها.

وفي مرات أخرى، تحاول االحتماء بالقفازات لتجّنب مالمسة الماء مباشرة، لكن هذه الحلولتبقى محدودة في مواجهة عمل منزلي يومي ال يمكن تأجيله.لا تقتصر آثار المياه المالحة على النساء أو على الأعمال المنزليّة فقط.

في قرية قانا،يتحدث أمجد، أحد جيران أبو أحمد الخلف، عن تغّيرات الحظها على جلده بعد عودتهأخيراً من دمشق إلى منزله في القرية.

يقول الشاب الثلاثيني إن وجهه ويديه أصبحا أكثرخشونة، ويربط ذلك باستخدام المياه المالحة في الغسيل والنظافة اليومية

“أستعمل يومياًكريمات مر ّطبة.. عندما وصلت القرية لم أكن أهت ّم لبشرتي فمألت الشقوق وجهي ويد ّي”.

ويضيف أن غسل وجهه ويديه بالماء البارد يسبب له ألماً أحياناً، خصوصاً في ظل عدمتوفر الماء الساخن باستمرار

.لا تقف تداعيات أزمة المياه عند حدود المنازل والأجساد، بل تمتد أيضاً إلى من يعملون فينقلها وبيعها.

أبو الزين، صاحب صهريج لبيع المياه، يقول إن هذه المهنة لم تعد كما يظنها البعض باباً للربح، بل باتت مرتبطة بخسائر متزايدة وتكلفة تشغيل تثقل كاهل أصحاب الصهاريج.

“الشغل خسارة، لكّننا نواصل العمل أمالً في أن تفرج األمور على العباد”، مشيراً إلى أنالجزء األكبر من المبلغ الذي يجنيه يذهب لتأمين الوقود، إذ يبلغ سعر برميل المازوتالواحد نحو مليون ونصف المليون ليرة سورية.

في تفسيره لأسباب الأزمة، يعزو المدير المكلّف بتسيير شؤون منطقة الشدادي، عدناندويش، تفاقم مشكلة المياه إلى خروج معظم محطات تحلية المياه المخصصة لتخديم المنطقةعن الخدمة.

ويشير إلى أن 11 محطة مخصصة للمنطقة لا تعمل منها حالياً أي محطةبكامل طاقتها

.وبحسب دويش، فإن إعادة تشغيل هذه المحطات من شأنه أن يخفف جانباً كبيراً من الأزمة،إذ يمكنها أن تغطي ما بين 60 و70 بالمئة من احتياجات مياه الشرب في المنطقة.

لا يتشابه عبء المياه في جميع مناطق ريف الحسكة من حيث الكلفة فقط، بل أيضاً من حيث المسافات التي تقطعها الصهاريج للوصول إلى السكان.

ففي بلدة الهول، شرقي مدينةالحسكة، يرتفع سعر صهريج المياه ليتراوح بين 60 و70 ألف ليرة سورية، وهو ما يجعله أعلى من الأسعار المتداولة في مناطق أخرى

.يقول أحمد أبو عمر إن أقرب محطة تصل منها المياه إلى البلدة تبعد نحو 40 كيلومتراً،وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة النقل والسعر النهائي الذي تتحمله العائلات.

ويضيف أن كثيراً من الأسر لا تستطيع شراء المياه بشكل منتظم، لذلك تكتفي باستخدامها للشرب وصنع الشاي، بينما تعتمد في غسل الأواني والثياب على “المياه المرة”.

وفي قرية عبدان، جنوبي مدينة الحسكة، ال يبدو واقع المياه أفضل كثيراً من القرىوالبلدات المجاورة، وإن كان األهالي قد لجأوا إلى مصدر ثالث أقل تكلفة، بحسب أحد أبناءالقرية، أبو فاضل.

هذا المصدر يتمثل في مياه األمطار التي ُتجمع داخل القرية أو ُتنقل إليها من مناطق قريبة،ويبلغ سعر الخزان الواحد منها نحو 10 آالف ليرة سورية.

لكن انخفاض الكلفة ال يعنيصالحية االستخدام، إذ يؤكد أبو فاضل أنها ال تصلح حتى للتنظيف أو لسقاية الحيوانات،وُتضاف إليها مواد معقمة عند استخدامها في التنظيف.

ويضيف ابن قرية عبدان، هو يضحك، “جربت هذا الماء مرة لغسل سيارتي، فالحظت أ ّن لون الطلاء تغّير، وأصبح باهتاً عندما تعَرضت السيارة لأشعة الشمس”

بعد ثماني سنوات قضاها في إدلب عاد أكرم إلى منزل عائلته في قرية العطالة، جنوبيمدينة الحسكة. يقول إن أقاربه استقبلوه بتعليق يحمل كثيراً من المزاح وكثيراً من الحقيقةفي آن واحد: “بشرتك مضيئة، لكن انتظر أياماً قليلة وستصبح خشنة داكنة”

.ويضيف أن المياه، بطعمها ولونها وسعرها، باتت حاضرة في معظم أحاديث أهالي القرية،حتى كأنها الموضوع الذي ال يغيب عن المجالس اليومية.

أما التشققات في اليدين وجفاف الوجه، فيقول إنهما لم يعودا حاالت فردية، بل صارا سمةشائعة بين سكان قريته والقرى والبلدات المجاورة

“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى