
ما تبقى من اللُغة الفرنسيّة في سوريا.
محمود أنور سويد -راديو فريش
متنقلاً بين ثلاث مدارس في قريتي حزّانو وكللي بريف إدلب، يقطع وائل الزين، مدرّس اللغة الفرنسية، نحو عشرة كيلومترات يومياً على دراجته النارية لإكمال نصابه من الحصص.
لم يكن هذا التنقّل خياراً، بل نتيجة مباشرة لتراجع عدد حصص مادته، بعد قرار وزارة التربية تخفيضها.
يقول وائل: “في مرات كثيرة لم أستطع رفع صوتي أثناء إعطاء الدرس بسبب نزلات البرد والبحة”، مضيفاً: “لم أكن مضطراً لخوض هذه الرحلة قبل قرار تخفيض حصص اللغة الفرنسية”.
في سرمدا، تبحث فاطمة الأحمد، مدرّسة اللغة الفرنسية، عن محتوى على يوتيوب لتعليم الألعاب الرياضية، في محاولة لتعويض النقص في حصصها.
تقول: “الأمر يتطلب معرفة أجهلها، وإتقان الحركات وطريقة تعليمها أمر بالغ الصعوبة”.
أما عزام المصطفى، خريج قسم اللغة الفرنسية في جامعة حلب، فيحمل وثيقة تخرجه التي يصفها بـ”الهامشية”، قائلاً: “أبحث عن عمل بعيد عن اختصاصي لحفظ ماء الوجه على أقل تقدير”.
ثلاثة مشاهد لمدرسين وطلاّب تختصر واقع تعليم اللغة الفرنسية في المدارس السورية، بعد قرار وزارة التربية مطلع العام الدراسي الحالي بتخفيض حصصها واعتبارها مادة ثانوية غير مرسبة بعد أن كانت لغة ثالثة إلى جانب العربية والإنجليزية لسنوات مضت.
ففي الصفوف الإعدادية والعاشر والحادي عشر تقلصت الحصص من ثلاثة إلى اثنتين، أما في البكالوريا الأدبية فانخفضت من أربع إلى اثنتين، وفي البكالوريا العلمية من خمس إلى حصتين فقط.
رحلة لإكمال النصاب أو ترك المهنةلم يعد تدريس اللغة الفرنسية وحده كافياً ليحافظ المدرّس على نصابه أو حتى على موقعه داخل المدرسة.
بالنسبة إلى بعض مدرّسي المادة، بات الخيار محصوراً بين إكمال النصاب بمواد لا تمتّ لاختصاصهم بصلة، أو مغادرة المهنة والبحث عن عمل آخر.
في ريف حلب الشمالي، كُلّفت أمل الحمد، مدرّسة اللغة الفرنسية، بتدريس اللغة الإنجليزية إلى جانب مادتها الأصلية.
تقول إنها اضطرت إلى اللجوء إلى “يوتيوب” لتعلّم نطق الكلمات الإنجليزية بصورة صحيحة، ومراجعة القواعد والأزمنة، كما استعانت بزملائها من مدرّسي اللغة الإنجليزية.
وتضيف أمل: “أخشى أن يوجّه لي أحد الطلاب سؤالاً لا أستطيع الإجابة عنه، فالشعور بعدم الثقة لدى المعلم يربك أداءه”.
وفي ريف إدلب، لم يكن تدريس الرياضة أقل صعوبة من تدريس الإنجليزية بالنسبة إلى فاطمة الأحمد، مدرّسة اللغة الفرنسية، التي كُلّفت بعدد من حصص الرياضة لإكمال نصابها، بعد أن تقلّص من 34 حصة إلى 10 حصص فقط.
تقول فاطمة إن إتقان الحركات والوضعيات وأسماء التمارين لم يكن سهلاً، مضيفة أنها تلجأ أحياناً إلى استخدام الأرقام الفرنسية أثناء العدّ، أو بعض المفردات الفرنسية المرتبطة بالاتجاهات، وكأنها تحاول التمسك بما تبقى من علاقتها باختصاصها.
وتقول: “لم أنسَ بعد أنني مدرسة لغة فرنسية”.لكن بالنسبة إلى آخرين، لم يعد إكمال النصاب ممكناً أو مقنعاً.
فقد اختار معمر الخضر، المدرّس السابق للغة الفرنسية، أن يترك المهنة نهائياً بعد خيبة أمله من تقليص ساعات المادة.
تنقّل الخضر، الذي عمل سابقاً في مدرسة اليرموك في كفرنبل بريف إدلب، بين أكثر من مهمة داخل وزارة التربية، من مدرّس لغة فرنسية إلى معلّم صف في الحلقة الأولى، قبل أن يبدّد قرار تقليص حصص الفرنسية أمله في العودة الفعلية إلى اختصاصه.
ويقول: “أبحث عن تقدير لم أجده وأنا مدرس في وزارة التربية”.
أما وائل الزين، الذي كان يتنقل يومياً بين ثلاث مدارس لإكمال نصابه، فقد انتهى به الأمر هو الآخر إلى استكمال دوامه داخل مدرسة واحدة، لكن عبر تدريس مواد أخرى لا ترتبط باختصاص
في المقابل، تبرّر مديرية التربية في إدلب هذا التغيير بأنه جاء استجابة لما تصفه بـ “الواقع التعليمي”.
ففي تصريح لـ محمد حلاق، مدير مكتب العلاقات العامة في المديرية، قال إن قرار تقليص عدد حصص اللغة الفرنسية جاء “بعد دراسة الواقع التعليمي في سوريا، ومتناسباً مع عدد الطلاب الراغبين بدراسة لغة رديفة إلى جانب الإنجليزية، وعدد الكوادر التعليمية في المدارس”.
وبحسب حلاق، فإن القرار “لم يؤثر سلباً على المدرسين أو العملية التعليمية”، مشيراً إلى أن عدد مدرّسي اللغة الفرنسية محدود، وأنه “لا يوجد إكمال نصاب في مدارس مختلفة”، بل يتم تكليف مدرّسي الفرنسية بإكمال نصابهم داخل مدارسهم بمواد أخرى مثل الرسم والرياضة.
ويصف حلاق هذا الإجراء بأنه “خطوة مرحلية ومؤقتة تتماشى مع واقع اليوم التعليمي، ويمكن أن يطرأ عليها تعديلات لاحقاً”.
عودة قصيرة للفرنسيةقرار تخفيض حصص اللغة الفرنسية شمل عموم المحافظات السورية.
لكن لمحافظة إدلب تجربة خاصة بدأت بتهميش قسم اللغة الفرنسية في الجامعات مع شائعات بإلغائه، إبان حكومة الإنقاذ، التي أصدرت وزارتها قبل ست سنوات تعميماً بإلغاء تدريس اللغة الفرنسية بشكل نهائي في المدارس، وتوزيع مدرسيها على وظائف إدارية أو معلمين للحلقة الأولى، ما أثار غضبهم ودفعهم للاحتجاج مطالبين بإرجاع الفرنسية إلى المناهج التعليمية.

عادت اللغة الفرنسية كمادة دراسية إلى إدلب بعد سقوط نظام الأسد، نهاية عام 2024، لتصطدم من جديد بقرار وزير التربية السوري، محمد تركو، والذي أثار غضب مدرسي اللغة الفرنسية، الذين احتجّوا عليه وطالبوا بإنصافهم وإعادة النصاب لما كان عليه.
اقترن تخفيض الحصص بتعديل منهاج تدريس اللغة الفرنسية، من منهاج Horizon المعمول به منذ سنوات، إلى منهاج emar الأشمل والأوسع من سابقه، إذ يحتوي على استيعاب شفهي وكتابي وتعبير كتابي، والذي يحتاج بحسب خبرتهم التدريسية لساعات أطول مما كانت عليه في السابق، لا أن يتم تخفيضها.


لم يقتصر القرار على تخفيض ساعات تدريس اللغة، بل حولّها إلى مادة غير مرسبة، أي لا تدخل ضمن قياس درجات عمل الطالب في نهاية العام، كما كان حال التربية الدينية أيام النظام السابق، إلا أن التربية الدينية كانت تحسب كمادة مرسبة في حين لا تدخل ضمن مجموع العلامات وهي بهذا أفضل حالاً من زميلتها الفرنسية.
يرى الأستاذ حسن الموسى، الموجه الاختصاصي للغة الفرنسية في إدلب، أن “أي مادة غير مرسبة لا تلق الاهتمام الكافي من قبل المدرسين أو الطلاب”، وأن ذلك “سيولد إهمالاً من قبل الطلبة ما سيؤثر سلباً على العلاقة بين المعلم والمتعلم، و ينعكس سلباً على الإدارة الصفية التي سيفقدها المعلم”.
وحول تخفيض حصص الفرنسية، يؤكد الموسى أن “الحصص قليلة جداً، وأن تعليم أي لغة لا يعني الحفظ الغيبي وإنما قدرة المتعلم على النقاش والحوار، ما يفرض توفير ساعات أكثر لا تخفيضها”.
يفاضل طلاب تحدثنا معهم بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية، قسم منهم يرى في الفرنسية سهولة وقرباً من اهتمامهم يجعلهم يفضلونها، خاصة وأن “نموذج أسئلتها أسهل من اللغة الإنجليزية، وفقاً للطالب خالد برجو، في الوقت الذي يرى آخرون، ومنهم عثمان الإسماعيل، طالب في المرحلة الثانوية، في الإنجليزية مستقبلاً أفضل من اللغات الأخرى.
يقول “أنوي دخول المفاضلة باللغة الإنكليزية في الشهادة الثانوية ولن أضيع وقتي في دراسة الفرنسية التي أصبحت مادة غير مرسبة لن تفيدنا في حياتنا لاحقاً”.
ويقترح الموجّه الموسى على وزارة التربية اعتماد اللغتين الفرنسية والإنجليزية، جنباً إلى جنب، ويترك للطلاب الاختيار بينهما.
شهادات على الهامش لا يبدو أثر القرار محصوراً في المدرّسين الحاليين فقط، بل يمتد أيضاً إلى الطلاب والخريجين الذين وجدوا أنفسهم أمام اختصاص يتراجع حضوره في المدارس، فيما تضيق فرص العمل المرتبطة به.
يحمّل عزّام المصطفى وزارة التربية مسؤولية ما يصفه بـ “المستقبل المجهول لطلبة وخريجي اللغة الفرنسية”، ويرى أن قرارها كان “غير مدروس”، بعدما تحولت شهادات خريجي هذا الاختصاص، بحسب قوله، إلى ما يشبه “ورقاً معلّقاً على الجدران”.
ويضيف: “قرارات وزارة التربية غير المدروسة أضاعت فرص العمل أمام كل من درس هذا القسم”، مشيراً إلى أن مدرّسي المادة المثبتين أنفسهم باتوا يبحثون عن نصابهم بين حصص الرسم والرياضة.
أما لمياء سرج، الطالبة في السنة الثالثة في قسم اللغة الفرنسية بجامعة حلب، فتقول إن قرار وزارة التربية بدّد فكرتها السابقة بأن تصبح مدرّسة.
وتوضح أنها باتت تميل إلى التخصص في الترجمة، على أمل أن تجد فرصة عمل في وزارة الخارجية إن استطاعت أن تثبت تميزها، مضيفة: “الوظائف الكبيرة لا تمنح لأي راغب بها”.
في المقابل، يحاول نائب وزير التعليم العالي، الدكتور محمد السويد، طمأنة طلاب أقسام اللغة الفرنسية في الجامعات السورية.
ففي تصريح لـ راديو فرش، قال إن اللغة الفرنسية “ستبقى مثلها مثل باقي اللغات، من دون تعديل”، وإن نسبة القبول الجامعي للطلاب المستجدين ستظل كما هي.
ويضيف السويد أن “عدد مقاعد اللغة الفرنسية في الجامعات السورية كافة لم يتأثر بقرار وزير التربية، فهو قسم مثل باقي الأقسام، ولا يمكن إلغاؤه أبداً بأي شكل من الأشكال، وأن مستقبل الخريجين حاله مثل حال مستقبل باقي الخريجين”، من دون أن يوضح ما الذي يعنيه ذلك عملياً بالنسبة إلى فرص العمل أو مسار الخريجين بعد التخرج.
في المعنى الأوسع، لا تبدو الفرنسية لغة هامشية في حد ذاتها.
فهي لغة رسمية في 29 دولة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص حول العالم.
وفي سوريا، ظلّت إلى جانب الإنجليزية جزءاً من المسار التعليمي والجامعي منذ عام 1921، قبل أن تدخل إلى المشهد التعليمي خلال السنوات الأخيرة لغات أخرى مثل التركية والروسية والإيرانية والألمانية، وغيرها من اللغات التي فرضها الواقع السياسي أو الاقتصادي.
وبينما تبقى ملامح مستقبل اللغة الفرنسية في سوريا معلّقة، ستواصل فاطمة الأحمد على الأرجح العدّ لتلاميذها أثناء التمارين الرياضية: “un, deux, trois”، بدلاً من “واحد، اثنان، ثلاثة”، كأنها تحاول أن تُبقي اللغة حيّة، ولو خارج مكانها الطبيعي على سبورة الصف.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”




