
يملأ الطاولات .. والجواميس تختفي
سلافا يونس
مدخل ضيق في سوق قامشلو القديم، تبدأ الحكاية. فتحة صغيرة تقود إلى داخل “القيصرية”، حيث يضيق الممر وتزدحم التفاصيل.
بسطات متراصّة عند الباب تعرض جبناً ولبنة وعسلاً وزيتوناً، ورائحة المواد الطازجة تسبق الداخلين.
وعلى جانبي الممر، تمتد محال صغيرة بالكاد تتسع لطاولات قليلة وزبائن ينتظرون دورهم.
وسط هذا الزحام، يبرز طبق أبيض كثيف تتجمع فوقه طبقات الدسم، تحيط به المامونية والجبن والعسل والزيتون.

إنه “الكيمر”، أحد أشهر منتجات قامشلو التقليدية، والوجبة التي ما تزال تستقطب الزوار والمقيمين على حد سواء.
لكن وراء هذا المشهد المألوف، يتغير شيء أساسي لا يظهر على الطاولات بسهولة: الكيمر ما يزال حاضراً، بينما الجواميس التي يبدأ منها كل شيء تتراجع عاماً بعد عام.
فطور المدينةعلى جانبي المدخل، يقف أصحاب المحال نصف أجسادهم خارج المكان، يراقبون الداخلين ويعرضون ما لديهم بصمت اعتادوه.
في زاوية قريبة، يقف محمد زكي مستنداً إلى شباك صغير يطل على الممر، يراقب الحركة بين محله ومحل آخر يملكه في الجهة المقابلة، ويلجأ إليه حين يزدحم المكان.يقول زكي: “أعمل في هذه المهنة منذ نحو 33 عاماً، ونحن من أقدم محال الكيمر في السوق، والناس تعرفنا من زمان بفطورنا”.
ويضيف أن السوق ما يزال يجذب أهالي المدينة والمغتربين معاً: “الناس هنا تحرص على الكيمر.
أحياناً يأتي زوار من الرقة ودير الزور، والمغتربون يطلبون وجبات الكيمر مع العسل أو المامونية، وغالباً تنفد الكمية في اليوم نفسه”.
ويشير زكي إلى أن شهرة الكيمر تجاوزت حدود المدينة ووصلت إلى محافظات أخرى في سوريا: “كنا نرسل كميات إلى دمشق، لكن توقف ذلك في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض الإنتاج والظروف الأمنية الراهنة”.سامر، وهو مغترب يقيم في أوروبا، يصف السوق قائلاً: “كلما عدنا إلى المدينة، نذهب إلى السوق في الصباح للحصول على الكيمر مع المامونية والعسل والجبن والزيتون البلدي والخبز الحجري.
إنه جزء من روتيننا اليومي في الزيارة، مثل عادة صغيرة مرتبطة بالمدينة نفسها”.
لكن هذا الحضور اليومي للكيمر لا يعني أن إنتاجه بقي كما كان. يقارن زكي بين الماضي والحاضر بقوله: “في السابق كنت أشتري نحو 100 كيلوغرام يومياً، أما اليوم فلا تتجاوز الكمية 34 كيلوغراماً”.لم يؤثر التراجع الاقتصادي على الكميات فقط، بل انعكس أيضاً على الأسعار.
يقول زكي: “عندما كان الدولار يعادل 500 ليرة سورية، كان سعر الكيلوغرام نحو 20 ألف ليرة، أما اليوم فقد وصل إلى 90 ألف ليرة”.
ومع راتب شهري لا يتجاوز في كثير من الحالات مئة دولار، يبدو الكيمر اليوم من الأطعمة التي لم تعد متاحة يومياً لكثير من العائلات، حتى في مدينة ارتبط اسمها به.
اقتصاد تقوده النساءيقود ارتفاع الأسعار إلى السؤال الأهم: من أين يأتي الكيمر؟ وللوصول إلى الجواب، يجب مغادرة السوق والذهاب إلى أطراف قامشلو، إلى أحياء مثل طي والمقاسم والدلي، حيث تبدأ الحكاية قبل أن تصل إلى الطاولات.
هناك، في المنازل القديمة والأزقة الضيقة، يتولى النساء الجزء الأكبر من هذه العملية.
منذ ساعات الصباح الأولى، يخرجن وهن يحملن دلاء الحليب الطازج من الجواميس، ويبدأن العمل الذي يحدد إيقاع إنتاج الكيمر كله.يُغلى الحليب بعناية على النار، ثم يُسكب في أوانٍ مسطحة ويُغطى بسلة من الصفصاف وبطانية، ويُترك ليوم كامل حتى تتماسك طبقة الدسم العليا، لتتحول إلى كيمر كثيف وغني بالنكهة.
لكن الجواميس هنا ليست مجرد مصدر للحليب أو وسيلة للرزق.
في هذه الأحياء، تدخل الجواميس في تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءاً من البيت نفسه، وتحمل أحياناً أسماء البنات، وتشارك النساء روتينهن اليومي بما يتجاوز التربية والعمل.
أم أحمد، التي تعتني بالجواميس منذ أكثر من أربعين عاماً، لا تتحدث عنها بوصفها حيوانات فقط، بل كجزء من عائلتها.
أطلقت على واحدة منها اسم ابنتها الكبرى “حلا”، وعلى أخرى اسم “بسيسة”.
تقول بصوت هادئ: “الجواميس غاليات علينا، ما يحيجونا لحد، هم باب رزق لنا”.
أما أم خليل، فتختصر العلاقة بقولها: “لو استغنينا عن الجواميس، ماذا سنفعل؟ هي مصدر دخلنا وتراثنا، وكل خطوة فيها تذكّرنا بجذورنا وخبرتنا”.بهذا المعنى، لا تبدو الجواميس مجرد حيوانات منتجة، بل كائنات مرتبطة باستمرار الحياة داخل البيت.
فهي التي تمنح النساء القدرة على إنتاج الكيمر، وتؤمن مورداً تعيش منه الأسرة، وتربط الحاضر بعادات أقدم لم تنقطع تماماً.
أحد سكان الحي يستعيد هذه الرمزية الاجتماعية قائلاً: “في الماضي، كانت بعض العائلات تهدي رأساً من الجاموس كجزء من مهر الزواج، وكان ذلك أثمن من الذهب، طالما أن الجاموس يدرّ الخير والمال”.
وجع المربينلا تبدأ أزمة الجواميس من السوق، بل من تفاصيل الرعاية اليومية التي أصبحت أكثر صعوبة وكلفة.
فمن اللقاحات التي تحميها من الأمراض، إلى العلف الذي يضمن بقاءها، تتراكم الضغوط على المربين عاماً بعد عام.
تقول أم أحمد: “في السابق كان هناك اهتمام بالجواميس كثروة وطنية، وكانت اللقاحات تُعطى مرتين في السنة مجاناً من قبل الدوائر البيطرية، في آذار وتشرين الثاني، لكن اليوم لم يعد هناك أي آلية دعم”.
هذا الغياب لم ينعكس على كلفة التربية فقط، بل على بقاء القطيع نفسه. فمع تراجع اللقاحات، انتشرت الأمراض بين الجواميس، ولا سيما الحمى التي تسببت، بحسب المربين، بنفوق عدد كبير منها ومن مواليدها.
تكمل أم أحمد بصوت يختلط فيه الحزن بالغضب: “السنة الماضية المواليد ماتوا كلهم.. العجل عادة لا يموت من الجوع أو الجفاف، لكنه ينحف، أما الحمى فتقتلهم.
فقدت سبعة جواميس بسبب غياب اللقاحات”.
موظف سابق في قطاع الثروة الحيوانية يشير إلى إن اللقاحات كانت تصل سابقاً من روسيا وإيران وتركيا، مع تفضيل واضح للقاح الروسي بين المربين، لكن صعوبة تأمينها في السنوات الأخيرة أدت إلى تراجع توفرها بشكل كبير.
غير أن المرض ليس المشكلة الوحيدة. فالجواميس فقدت أيضاً جزءاً أساسياً من بيئتها الطبيعية: المراعي.
قبل الحرب، كان مربو الجواميس ينقلون قطعانهم في الربيع إلى مناطق الرعي في الرقة قرب نهر الفرات، حيث تجد الحيوانات مساحة واسعة للرعي وتخفف عن أصحابها عبء شراء الأعلاف، في وقت يساعدها فيه المرعى الطبيعي على الحفاظ على صحتها.
أما اليوم، فأصبح الوصول إلى تلك المناطق محفوفاً بالمخاطر أو غير ممكن، ما دفع المربين إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على الأعلاف الصناعية، وهي كلفة لا تستطيع كثير من العائلات تحمّلها.
تقول إحدى المربيات في حي طي: “قطيع الجواميس يحتاج إلى نحو عشرة أطنان من العلف شهرياً، بتكلفة تصل إلى ألفي دولار، وهذا لا يمكن تحمله، وفي الوقت نفسه لم يعد هناك مكان طبيعي للرعي”.
هكذا، تشكل غياب المراعي وارتفاع أسعار العلف أزمة مزدوجة دفعت كثيراً من المربين إلى اتخاذ قرار لم يكن سهلاً: بيع جزء من القطيع.أم أحمد، التي كانت تملك في السابق نحو ثلاثين رأساً من الجواميس، لم يبق لديها اليوم سوى ثلاثة فقط.
تقول: “لم نعد نتحمل مصاريف تربية الجواميس، وكان البديل أن نبيعها بسبب غلاء العلف”.
نزيف التهريبتعكس الأرقام الرسمية أثر هذه الأزمة على أعداد الجواميس في المنطقة. فبحسب دائرة البيطرة في القامشلي، بلغ آخر إحصاء للجواميس في الجزيرة/روج آفا خلال عامي 2021–2022 نحو 3756 رأساً، توزعت بين 2608 رؤوس في القامشلي، و49 رأساً في تربه سبيه/القحطانية، و1004 رؤوس في ديريك.
أما التقديرات الأولية لعام 2026، فتشير إلى انخفاض العدد إلى نحو 3400 رأس فقط، أي بتراجع يقدّر بنحو 356 رأساً خلال سنوات قليلة، في ظل تراجع الرعاية وارتفاع الكلفة واضطرار المربين إلى البيع.لكن ما يفاقم هذا التراجع، بحسب المربين والتجار، ليس فقط المرض وغلاء العلف، بل أيضاً خروج الجواميس إلى خارج المنطقة.
محلياً، تتراوح قيمة رأس الجاموس بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، لكن السعر يرتفع عند بيعه في الخارج إلى ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف دولار، وهو فارق يدفع كثيرين إلى بيع جزء من قطعانهم، حتى عندما يكون القرار مؤلماً.
في سوق الكيمر، يتنهد محمد زكي وهو يراقب حركة البيع والشراء، قائلاً: “في السنوات الأخيرة بدأت ظاهرة جديدة أثرت على تربية الجواميس وسوق الكيمر، وهي بيع الجواميس إلى العراق، خاصة إلى كردستان العراق والموصل، حيث هناك طلب كبير عليها لصناعة الكيمر”.
هذا الفارق السعري جعل البيع الخارجي خياراً يكاد يكون قسرياً لبعض المربين، لا سيما في ظل ارتفاع كلفة التربية وتراجع الدعم.
فحين تصبح قيمة الجاموسة في الخارج أعلى بكثير من قيمتها محلياً، يصبح الاحتفاظ بها عبئاً يصعب على كثير من الأسر تحمّله.هذه الحركة لا تمر، بحسب من تحدثنا إليهم، عبر قنوات رسمية واضحة.
إذ تشير روايات عدد من المربين وتجار الكيمر إلى أن جزءاً كبيراً من الجواميس المباعة يغادر المنطقة بطرق غير نظامية.
في المقابل، ينفي مسؤول رسمي وجود أي تصدير رسمي للجواميس إلى العراق، مؤكداً أن ما يصل إلى هناك يتم، إن حدث، عبر التهريب فقط.
ورغم هذا النفي، تتقاطع شهادات المربين والتجار عند نقطة واحدة، فالطلب الخارجي المرتفع مع الفارق الكبير في الأسعار، فتحا باباً واسعاً أمام خروج الجواميس من المنطقة.ما يبقى على الطاولةفي سوق قامشلو، لا يبدو هذا التراجع واضحاً للوهلة الأولى.
ما تزال الطاولات تمتلئ بالكيمر، وما يزال الزبائن يطلبونه مع المامونية والعسل والجبن والزيتون، كما لو أن شيئاً لم يتغير.
لكن خلف هذا الطبق الأبيض الكثيف، تقف سلسلة طويلة من الأعباء، قطعان تتناقص، ومربّون يبيعون ما تبقّى، ونساء يواصلن إنتاج الكيمر في ظروف أكثر صعوبة، وبيئة لم تعد تمنح الجواميس ما كانت تمنحه سابقاً من رعاية ومرعى واستقرار.
هكذا، لا تبدو أزمة الكيمر في المدينة أزمة منتج غذائي فقط، بل أزمة نمط حياة كامل يقوم على الجواميس، وعلى العمل المنزلي، وعلى علاقة قديمة بين السوق والريف والبيت.
وبينما يواصل الزوار البحث عن نكهة مألوفة في قلب السوق القديم، يبقى السؤال مفتوحاً:هل سيظل الكيمر حاضراً على الطاولات إذا استمرت الجواميس في الاختفاء؟
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”




