
في مخيمات إدلب .. حين يصبح المطر أقسى من الإعاقة.
ليدا زيدان –
في يوم وقفة عيد الفطر الماضي، لم يكن أحمد نصر الحبيش بحاجة إلى أن يرى المياه وهي تزحف إلى داخل خيمته كي يدرك أن الخطر وصل.

كان ممدداً على فراشه الرقيق، كما في معظم أيامه، حين بدأت المياه تتسلل من الأرض ومواسير الصرف الصحي، قبل أن تحيط بجسده العاجز عن الحركة.
في مخيم “المدينة المنورة” بريف إدلب، لا يشبه المطر بالنسبة لأحمد أو لعائلته مشهداً شتوياً عابراً، بل احتمالاً دائماً لفقدان ما تبقى من الأمان الهش داخل الخيمة.
فالرجل البالغ من العمر 43 عاماً يعيش مع شلل رباعي منذ عام 2003، بعد إصابة تعرّض لها وهو في التاسعة عشرة من عمره أثناء عودته من حلب إلى كفرنبل، ما جعله يعتمد بشكل كامل على والديه في كل تفاصيل يومه، من الأكل والشرب إلى الحركة والتنقل.
لكن هذا الاعتماد، الذي يثقل الحياة اليومية أصلاً، يتحول في لحظات الكوارث إلى هشاشة مضاعفة.
فحين تغرق الخيمة أو تتشبع الأرض بالمياه، لا يعود الأمر متعلقاً فقط بضياع الأغطية أو تلف الأمتعة، بل بقدرة شخص عاجز عن الحركة على النجاة أساساً.
سارع والداه يومها إلى نقله إلى كرسيه المتحرك ومحاولة إنقاذ ما أمكن من الأغراض، لكن معظمها تلف تحت مياه موحلة وملوثة.
في وصف تلك اللحظات، يروي والده: “دخلت المياه إلى الخيمة عبر تمديدات الصرف الصحي، فرفعنا بعض الأغراض عن الأرض، لكن معظمها تلف واضطررنا للتخلص منه، بعد ذلك نظفنا الأرض وبقينا في الخيمة، إذ لا مأوى لنا سواها”.
تتكوّن خيمة عائلة الحبيش من ثمانية مداميك من البلوك تعلوها قطعة شادر بالكاد تصد المطر.

وفي هذه المساحة الضيقة، تتحول أي عاصفة إلى تهديد مباشر، لا للأمتعة فقط، بل لحياة أشخاص يعتمدون كلياً على الآخرين في حركتهم وحمايتهم، خاصة مع سرعة تسرب المياه وبرودة الشتاء.
تصف والدة أحمد هذا العبء بقولها: “نحن مسنّان ونعاني من أمراض الضغط والسكري، وكل حياتنا الآن في خدمته.
لا نستطيع مغادرة الخيمة أو حماية أنفسنا، كل تركيزنا على الحفاظ على حياته”.
لا يقتصر هذا المشهد على خيمة أحمد وحدها.
ففي مخيمات النزوح بريف إدلب، التي شهدت في أوائل شباط الماضي موجة أمطار غزيرة تسببت بفيضانات واسعة وأغرقت عشرات الخيام، تكررت صور مشابهة دفعت كثيراً من العائلات إلى البحث عن مأوى بديل.

لكن أثر هذه الكارثة بدا أشد وطأة على الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين ترتبط قدرتهم على النجاة والوصول إلى أبسط احتياجاتهم بدعم مباشر من أسرهم أو محيطهم.
منذ مطلع العام الجاري، سجّلت معظم المناطق موسماً مطرياً جيداً متجاوزة المعدلات السنوية، لكن هذه الزيادة تعتبر تغيراً طارئاً، خاصة أن معدّل الجفاف كان الأشدّ عام 2025.
اختلاف طبيعة الهطولات المطرية يرتبط بشكل أساسي بالتغير المناخي العالمي، وخاصة في منطقة غرب المتوسط، حيث تحولت الأمطار من موسمية منتظمة إلى هطولات غزيرة في فترات قصيرة بعد فترات طويلة من الجفاف، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى ارتفاع درجات الحرارة وسوء إدارة الموارد المائية.
كل ذلك تسبب في ارتفاع مفاجئ في الوارد المائي ومنسوب المياه في السدود، ما تسبّب في حدوث فيضانات وحالات غمر للمنازل والأراضي، خاصة في محافظتي إدلب والحسكة.
بالنظر إلى هذه المتغيرات، لا تبدو حياة الأشخاص ذوي الإعاقة في المخيمات حالة استثنائية تكشفها العواصف على نحو عابر، بل واقعاً يومياً يتجلى بوضوح أكبر كلما هطل المطر أو ارتفعت المياه داخل الخيام.يختصر والد أحمد هذا القلق اليومي بقوله: “لا نعرف ماذا نفعل إذا عادت السيول، فقد خسرنا معظم حاجياتنا بسبب الفيضان الأخير، وليس لدينا تدفئة ولا يمكننا شراء المازوت”.
أمام هذا الواقع، تبدو حياة الأشخاص ذوي الإعاقة في المخيمات معلّقة على المساعدة المؤقتة أكثر من استنادها إلى منظومة حماية فعلية، فيما تكشف الكوارث الطبيعية ما هو أعمق من الحدث نفسه: حقوق مؤجلة، ونجاة لا تزال رهناً بالصدفة.
يرى الناشط الحقوقي ثائر بلال أن ما تكشفه الفيضانات في مخيمات إدلب لا يقتصر على ضعف البنية التحتية، بل يفضح أيضاً ضعف الحماية القانونية والعملية للأشخاص ذوي الإعاقة.
يقول إن هذه الكوارث “تفضح قصور القوانين وضعف تطبيقها على الأرض”، مضيفاً أن “ذوي الإعاقة يعيشون حياتهم ضمن إطار الإحسان وليس الحقوق، وكل عاصفة تمثل تهديداً مباشراً لهم”.
تزداد هذه المفارقة وضوحاً عند النظر إلى المسار القانوني المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا.
فعلى مستوى النصوص، يبدو أن هناك تقدماً تدريجياً في تنظيم هذه الحقوق، بدأ عام 2004 مع صدور القانون رقم 34، الذي وضع أول إطار رسمي للتعامل مع قضايا الإعاقة، من تعريفها إلى التأهيل المهني والرعاية الصحية والتعليم وأولوية التوظيف.
وفي عام 2009، صادقت سوريا على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في خطوة أوحت بتوسيع هذا الإطار وربطه بالمعايير الدولية، رغم التحفظ على المادة 12 المتعلقة بالاعتراف القانوني الكامل بالأشخاص ذوي الإعاقة.
ثم جاء عام 2024 مع صدور المرسوم التشريعي رقم 19، الذي قدّم نفسه بوصفه مرحلة جديدة في مقاربة قضايا الإعاقة، تقوم على الانتقال من مفهوم الرعاية إلى منطق الحقوق.
ونصّ المرسوم على مبادئ المساواة وعدم التمييز، وإلزام المؤسسات بتوفير الخدمات وتسهيل الوصول إليها، وتحديد نسب للتشغيل، وتوسيع فرص المشاركة في الحياة العامة.
على الورق، تبدو الصورة متماسكة: قوانين متراكمة، وخطاب حقوقي أكثر تطوراً، وسقف رسمي للحقوق يتصاعد تدريجياً.
لكن هذه الصورة تتعثر عند أول اختبار فعلي، داخل خيمة غمرتها المياه أو على طريق موحل في أحد المخيمات، حيث تتوقف النصوص عند حدود الورق، من دون أن تتحول إلى حماية ملموسة.
يختصر الناشط الحقوقي ثائر بلال هذه الفجوة بين النص والتطبيق بقوله: “القوانين واضحة على الورق، لكن غياب الإرادة والرقابة والموارد يحولها إلى حبر على ورق”.
حتى الآن، لا تبدو آثار الفيضانات على الأشخاص ذوي الإعاقة جزءاً من استجابة خاصة أو تدخل فعلي يراعي هشاشتهم.
ففي حالة أحمد الحبيش، لم تتلقَّ العائلة أي دعم أو وعود عملية رغم الخسائر التي تكبّدتها، لتبقى احتياجاتها معلّقة، مثل كثير من الاحتياجات التي لا تجد طريقها إلى الاستجابة إلا بوصفها حالة إنسانية طارئة، لا حقاً مستحقاً.
في ظل هذا الغياب للحماية الفعلية، تبرز مسألة إدماج الإعاقة في خطط الطوارئ بوصفها إحدى أبرز الثغرات. تقول أميمة حامدي، العضو المؤسس في “الحراك السوري للإعاقة”، إن الاستجابة للكوارث ما تزال تتجاهل احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، مشددة على ضرورة تضمينها في خطط إدارة الطوارئ، وتأمين وصول آمن إلى الملاجئ والخدمات، إلى جانب توفير أنظمة إنذار مبكر بصيغ متعددة تناسب مختلف الإعاقات.
وترى حامدي أن غياب هذه الإجراءات لا يقلّ خطورة عن غياب القوانين نفسها، لأنه يحدّ من أثرها على حياة الناس، ويجعلها غير قابلة للتطبيق في لحظات الخطر.ولا تتوقف الفجوة عند مستوى الاستجابة، بل تمتد إلى آلية صنع القرار نفسها.
فمشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في صياغة السياسات والخطط لا تزال محدودة، وغالباً ما تأخذ طابعاً شكلياً، ما ينعكس على قدرة هذه السياسات على تلبية الاحتياجات الفعلية.
وفي هذا السياق، يشير ثائر بلال إلى أن “القرارات تُتخذ في كثير من الأحيان من دون إشراك حقيقي للأشخاص ذوي الإعاقة”، مؤكداً أن تمكينهم من التأثير في صنع القرار ليس مطلباً رمزياً، بل شرط أساسي لفعالية أي سياسة أو تدخل.
حتى المبادرات التي يُفترض أن تشكّل خطوة إلى الأمام، مثل المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة الذي عُقد العام الماضي، لم تترجم، بحسب بلال، إلى تغييرات ملموسة على الأرض.
ويضيف أن العمل لا يزال يسير بالنهج ذاته، بعيداً عن الشعار الذي ترفعه حركة حقوق ذوي الإعاقة: “لا شيء عنّا بدوننا”.
بين هشاشة الخيمة وغياب الحمايةتزداد هذه الفجوة عمقاً مع غياب البيانات الدقيقة.
فحتى اليوم، لا توجد أرقام واضحة أو توثيق شامل لأعداد الأشخاص ذوي الإعاقة المتضررين من التغيرات المناخية أو الكوارث داخل المخيمات، ما يحدّ من فاعلية أي استجابة، ويجعل هذه الفئة أقل ظهوراً في خطط التدخل وأكثر عرضة للتجاهل.
لا تقتصر المخاطر التي يتعرّض لها الأشخاص ذوي الإعاقة على الفيضانات فقط، بل يؤثّر التغير المناخي عليهم بصور شتّى، فمثلاً يتسبّب الجفاف بانعدام الأمن الغذائي وسبل العيش، فيما تزيد الحرائق من إمكانية تعرضهم لإصابات أو مخاطر تهدد حياتهم.
بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2020، يتأثّر الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل غير متناسب مع التغير المناخي، ويظهر التقرير أن الأبحاث حول آثار تغير المناخ على حقوقهم بالكاد متوفرة، معتبراً أنه من الضروري إشراكهم وأخذ رأيهم كمستفيدين من السياسات وصانعين لها، وبحسب دراسة تحليلة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة هم من أكثر الفئات تضرراً في أوقات الكوارث، وخاصة مع فقدان الدخل وفرص العيش، كما أن عوامل التمييز المتداخلة من نوع الجنس والعمر أو الانتماء قد تزيد من المخاطر التي يتعرّضون لها.
تشدد حامدي على ضرورة تطوير السياسات، وتأمين بيئة مهيأة وخدمات مستمرة، إلى جانب توسيع فرص التمكين الاقتصادي، وضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط وصنع القرار، لا بوصفهم متلقين للمساعدة فقط، بل أصحاب حق.في ظل هذا الغياب، تتكرر المطالب بوجود قانون شامل لا يكتفي بالنص على الحقوق، بل يضمن تطبيقها بوصفها التزاماً مستمراً لا تدخلاً مؤقتاً.
لكن داخل الخيمة، لا تبدو هذه المطالب نقاشاً قانونياً مجرداً، بل سؤالاً يومياً عن النجاة إذا عادت المياه من جديد.يقول والد أحمد: “لا أعرف ماذا يمكن أن نفعل إذا حدث ذلك مجدداً، وضعنا صعب جداً، خاصة أننا خسرنا معظم حاجياتنا بسبب الفيضان”، مضيفاً أن ما حدث في وقفة العيد ترك العائلة من دون تدفئة أو قدرة على تأمين احتياجاتها الأساسية.
هكذا، لا تبدو قصة أحمد ووالديه مجرد حالة فردية في مخيم منسي، بل مثالاً مكثفاً على واقع أوسع، حيث تقف النصوص القانونية على جانب، وتبقى الحياة اليومية للأشخاص ذوي الإعاقة على الجانب الآخر، معلّقة بين هشاشة الخيمة، وغياب الحماية، وانتظار كارثة جديدة.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”




